فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 859
الألباب الذّاكرين اللّه على جميع أحوالهم والمتفكّرين في الخلق، دلّ على أنّ غيرهم من أهل الغفلة والجهالة يذهبون إلى خلاف هذه المقالة، فنزّهوه تعالى عمّا يقول أولئك المبطلون، ممّا أشار إليه تعالى في قوله: (لاعبين) وفي قوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا المؤمنون:
واعترض بهذا التّنزيه المتضمّن براءة اللّه من جميع النّقائص وأفعال المحدثين بين ذلك الإقرار وبين رغبتهم إلى ربّهم بأن يقيهم عذاب النّار، ولم يكن لهم همّ في شي ء من أحوال الدّنيا ولا اكتراث بها، إنّما تضرّعوا في سؤال وقايتهم العذاب يوم القيامة، وهذا السّؤال هو نتيجة الذّكر والفكر والإقرار والتّنزيه.
البروسويّ: أي خلقا باطلا عبثا ضائعا عن الحكمة، خاليا عن المصلحة، كما ينبئ عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التّفكّر فيه، بل منتظما لحكم جليلة ومصالح عظيمة، من جملتها: أن يكون مدارا لمعايش العباد، ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدإ والمعاد، حسبما أفصحت عنه الرّسل والكتب الإلهيّة. (2: 145)
نحوه الآلوسيّ. (4: 160)
محمّد عبده: هذا حكاية لقول هؤلاء الّذين يجمعون بين تفكّرهم وذكر اللّه عزّ وجلّ، ويستنبطون من اقترانهما الدّلائل على حكمة اللّه وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان الّتي تربط الإنسان بربّه حقّ الرّبط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربّهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم.
فطيّ هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع، وفيه تعليم المؤمنين كيف يخاطبون اللّه تعالى عند ما يهتدون إلى شي ء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنّه يقول: هذا هو شأن المؤمن الذّاكر المتفكّر يتوجّه إلى اللّه في هذه الأحوال، بمثل هذا الثّناء والدّعاء والابتهال.
وكون هذا ضربا من ضروب التّعليم والإرشاد، لا يمنع أنّ بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكّروا ثمّ قالوا هذا أو ما يؤدّي معناه، فذكر اللّه حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصّتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم؛ إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.
أمّا معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلا، فهو أنّ هذا الإبداع في الخلق والإتقان للصّنع، لا يمكن أن يكون من العبث والباطل، ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط.
كما أنّ الإنسان الّذي أوتي العقل الّذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصّنع، وكلّما ازداد تفكّرا، ازداد علما، حتّى أنّه لا حدّ يعرف لفهمه وعلمه، لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلا ثمّ يذهب سدى، ويتلاشى ويكون باطلا، بل لا بدّ أن يكون باستعداده الّذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة الّتي يرى كلّ عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثّناء بهذا الدّعاء، ومعناه: اجتنبنا السّيّئات، ووفّقنا للأعمال الصّالحات، حتّى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النّار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.