فهرس الكتاب

الصفحة 2685 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 864

شأنان متقابلان، وقد جرت السّنّة الإلهيّة أن يصلح ما هو صالح ويفسد ما هو فاسد، أي أن يرتّب على كلّ منهما أثره المناسب له، المختصّ به.

وأثر العمل الصّالح أن يناسب ويلائم سائر الحقائق الكونيّة في نظامها الّذي تجري هي عليه، ويمتزج بها ويخالطها، فيصلحه اللّه سبحانه ويجريه على ما كان من طباعه.

وأثر العمل الفاسد أن لا يناسب ولا يلائم سائر الحقائق الكونيّة فيما تقتضيه بطباعها وتجري عليه بجبلّتها، فهو أمر استثنائيّ في نفسه، ولو أصلحه اللّه في فساده، كان ذلك إفسادا للنّظام الكونيّ.

فيعارضه سائر الأسباب الكونيّة بما لها من القوى والوسائل المؤثّرة، وتعيده إلى السّيرة الصّالحة إن أمكن، وإلّا أبطلته وأفنته ومحته عن صحيفة الوجود ألبتّة.

وهذه الحقيقة تستلزم أن السّحر وكلّ باطل غيره لا يدوم في الوجود، وقد قرّرها اللّه سبحانه في كلامه في مواضع مختلفة، كقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ البقرة: 258، وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ المائدة: 108، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ المؤمن: 28، ومنها قوله في هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يونس: 81.

لا تبطلوا

1 -يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ ... البقرة: 264

الماورديّ: يريد إبطال الفضل دون الثّواب.

ويحتمل وجها ثانيا: إبطال موقعها في نفس المعطى.

ابن عطيّة: العقيدة: أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء في هذه الآية: إنّ الصّدقة الّتي يعلم اللّه في صاحبها أنّه يمنّ أو يؤذي فإنّها لا تتقبّل صدقة. وقيل: بل جعل اللّه للملك عليها أمارة فلا يكتبها.

وهذا حسن، لأنّ ما نتلقّى نحن عن المعقول من بني آدم فهو أنّ المنّ المؤذي ينصّ على نفسه أنّ نيّته لم تكن للّه عزّ وجلّ- على ما ذكرناه قبل- فلم تترتّب له صدقة، فهذا هو بطلان الصّدقة بالمنّ والأذى. والمنّ والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها؛ إذ لم يكشف ذلك على النّيّة في السّليمة ولا قدم فيها. (1: 357)

عبد الجبّار: وربّما قيل في قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كيف يبطل ذلك؟

وجوابنا: أنّ المراد بطلان ثوابها، بما يقع من المتصدّق من المنّ عليهم، وأذيّة قلوبهم، نحو أن يقول المتصدّق للفقير: ما أشدّ إبرامك وخلّصنا منكم اللّه، إلى ما يجري هذا المجرى، فأدّب اللّه تعالى المتصدّق بأن لا يكسر قلب الفقير، فكما أحسن في الفعل يحسن في القول، ولذلك مثّله: ب صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا البقرة: 264.

وأدّب أيضا بقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ البقرة: 267، لأنّ ما ينفق للّه، وطلبا للثّواب يجب أن لا تكون منزلته دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت