فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 865
منزلة ما يتلذّذ به في الدّنيا، وهذا تأديب حسن.
وأدّب أيضا بقوله: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ البقرة: 268، فيبعث على البخل وترك الصّدقة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا البقرة: 268، فيبعثكم على الصّدقة وعلى خلاف الفحشاء والمعاصي.
وبعث اللّه تعالى أيضا على إخفاء الصّدقة بقوله:
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ البقرة: 271، والعلماء يقولون:
إنّ الأولى في الواجب أن يظهر وفيما عداه أن يكتم، فيكون أقرب إلى أن يكون مفعولا لذات اللّه تعالى.
الطّبرسيّ: ضرب تعالى مثلا لعمل المنّان وعمل المنافق جميعا، فإنّهما إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به فإنّهما لا يستحقّان عليه ثوابا، وهذا هو معنى"الإبطال"وهو إيقاع العمل على غير الوجه الّذي يستحقّ عليه الثّواب، فقال: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ هذا يدخل فيه المؤمن والكافر إذا أخرجا المال للرّئاء. [إلى أن قال:]
فقد تضمّنت الآية والآي الّتي قبلها الحثّ على الصّدقة وإنفاق المال في سبيل الخير وأبواب البرّ، ابتغاء مرضاة اللّه، والنّهي عن المنّ والأذى والرّياء والسّمعة والنّفاق.
والخبر عن بطلان العمل بها وممّا جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عبّاس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، قال:"إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الّذين كانوا يعبدون النّاس! قوموا خذوا أجوركم ممّن عملتم له، فإنّي لا أقبل عملا خالطه شي ء من الدّنيا وأهلها".
وروي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال رسول اللّه:"من أسدى إلى مؤمن معروفا ثمّ آذاه بالكلام أو منّ عليه، فقد أبطل اللّه صدقته، ثمّ ضرب فيه مثلا، فقال:"
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ - إلى قوله- الْكافِرِينَ"."
وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:"ما من شي ء أحبّ إليّ من رجل سلفت منّي إليه يد أتبعته أختها وأحسنت رقبها له، لأنّي رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل".
الفخر الرّازيّ: قال القاضي: إنّه تعالى أكّد النّهي عن إبطال الصّدقة بالمنّ والأذى، وأزال كلّ شبهة للمرجئة بأن بيّن أنّ المراد: أنّ المنّ والأذى يبطلان الصّدقة. ومعلوم أنّ الصّدقة قد وقعت وتقدّمت، فلا يصحّ أن تبطل، فالمراد إبطال أجرها وثوابها، لأنّ الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل، فيصحّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى.
واعلم أنّه تعالى ذكر لكيفيّة إبطال أجر الصّدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثّله أوّلا: بمن ينفق ماله رئاء النّاس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن باللّه واليوم الآخر، لأنّ بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المنّ والأذى.
ثمّ مثّله ثانيا: بالصّفوان الّذي وقع عليه تراب وغبار، ثمّ أصابه المطر القويّ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتّى يصير كأنّه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلا.
فالكافر كالصّفوان، والتّراب مثل ذلك الإنفاق، والوابل