فهرس الكتاب

الصفحة 2687 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 866

كالكفر الّذي يحبط عمل الكافر، وكالمنّ والأذى اللّذين يحبطان عمل هذا المنفق.

قال: فكما أنّ الوابل أزال التّراب الّذي وقع على الصّفوان، فكذا المنّ والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالإحباط والتّكفير.

قال الجبّائيّ: وكما دلّ هذا النّصّ على صحّة قولنا، فالعقل دلّ عليه أيضا؛ وذلك أنّ من أطاع وعصى فلو استحقّ ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحقّ النّقيضين، لأنّ شرط الثّواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرّة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال، فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النّقيضين، وذلك محال.

ولأنّه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة، ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل؛ فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث إنّه حقّه، وأن يكون ظلما من حيث إنّه منع الإثابة، فيكون ظالما بنفس الفعل الّذي هو عادل فيه، وذلك محال، فصحّ بهذا قولنا في الإحباط والتّكفير بهذا النّصّ، وبدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة.

وأمّا أصحابنا فإنّهم قالوا: ليس المراد بقوله:

(لا تبطلوا) النّهي عن إزالة هذا الثّواب بعد ثبوته، بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلا؛ وذلك لأنّه إذا قصد به غير وجه اللّه تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان.

واحتجّ أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدّلائل. [ثمّ ذكر عشرة دلائل عقليّة إلى أن قال:]

فهذه جملة الدّلائل العقليّة على فساد القول بالمحابطة، بقي تمسّك المعتزلة بهذه الآية، فنقول: قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى يحتمل أمرين:

أحدهما: لا تأتوا به باطلا، وذلك أن ينوي بالصّدقة الرّئاء والسّمعة، فتكون هذه الصّدقة حين وجدت حصلت باطلة، وهذا التّأويل لا يضرّنا ألبتّة.

الوجه الثّاني: أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتى بها على وجه يوجب الثّواب ثمّ بعد ذلك إذا أتبعت بالمنّ والأذى صار عقاب المنّ والأذى مزيلا لثواب تلك الصّدقة، وعلى هذا الوجه ينفعهم التّمسّك بالآية.

فلم كان حمل اللّفظ على هذا الوجه الثّاني أولى من حمله على الوجه الأوّل؟ (7: 53 - 56)

القرطبيّ: عبّر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثّواب بالإبطال، والمراد الصّدقة الّتي يمنّ بها ويؤذي، لا غيرها. والعقيدة، أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها، فالمنّ والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها. (3: 311)

البيضاويّ: لا تحبطوا أجرها بكلّ واحد منهما.

مثله أبو السّعود. (1: 308)

البروسويّ: والمراد بإبطال الصّدقة: إحباط أجرها، لأنّ الصّدقة لمّا وقعت وتقدّمت لم يمكن أن يراد بإبطالها نفسها بل المراد إحباط أجرها وثوابها، لأنّ الأجر لم يحصل بعد، فيصحّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى. (1: 422)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت