فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 867
الآلوسيّ: أي بكلّ واحد منهما، لأنّ النّفي أحقّ بالعموم وأدلّ عليه. [إلى أن قال:]
واستشكل ابن عطيّة هذه الآية بأنّ ظاهرها يستدعي أنّ أجر الصّدقة يبطل بأحد هذين الأمرين، ولا يمكن توجّه الإبطال بذلك إلى نفس الصّدقة، لأنّها قد ثبتت في الواقع، فلا يعقل إبطالها، ومن العقيدة أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات، خلافا للمعتزلة، والآية أحد متمسّكاتهم.
وأجيب بأنّ الصّدقة الّتي يعلم اللّه تعالى من صاحبها أنّه يمنّ ويؤذي لا تقبل حتّى قيل: إنّه سبحانه يجعل للملك علامة فلا يكتبها، والإبطال المتنازع فيه إنّما هو في عمل صحيح وقع عند اللّه تعالى في حيّز القبول، وما هنا ليس كذلك، فمعنى (لا تبطلوا) حينئذ لا تأتوا بهذا العمل باطلا، كذا قالوا.
ولا يخفى أنّه خلاف الظّاهر، إلّا أنّ قوله تعالى:
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ فيه نوع تأييد له، بناء على أنّ (كالّذى) في محلّ نصب، إمّا على أنّه نعت لمصدر محذوف، أي لا تبطلوها إبطالا كإبطال الّذي إلخ، وإمّا على أنّه حال من فاعل (لا تبطلوا) أي لا تبطلوها مشابهين الّذي ينفق، أي الّذي يبطل إنفاقه بالرّئاء.
ووجه التّأييد أنّ المرائي بالإجماع لم يأت بالعمل مقبولا صحيحا، وإنّما أتى به باطلا مردودا، وقد وقع التّشبيه في البين، فتدبّر. (3: 34)
رشيد رضا: بيّن سبحانه وتعالى في الآيتين السّابقتين أنّ ترك المنّ والأذى شرط لحصول الأجر على الإنفاق في سبيله، وأنّ العدول عن الصّدقة الّتي يتبعها الأذى إلى قول وعمل آخر يكرم به الفقير أو تؤيّد به المصلحة العامّة خير من نفس تلك الصّدقة في الغاية الّتي شرعت لها.
ثمّ أقبل تعالى على خطاب المؤمنين، ونهاهم نهيا صريحا أن يبطلوا صدقاتهم بالمنّ والأذى، وفي ذلك من المبالغة في التّنفير عن هاتين الرّذيلتين ما يقتضيه ولوع النّاس بهما.
قال الأستاذ الإمام رحمه اللّه تعالى: واستدلّت المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصّالحة، حتّى كأنّها لم تعمل.
وأجيب عن الآية: بأنّ المراد بها لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التّكلّف الّذي لا يحتاج إليه، لأنّ الكلام في إحباط المنّ والأذى للفائدة المقصودة من الصّدقة، وهي تخفيف بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم إذا كانت الصّدقة على الأفراد، وتنشيط القائمين بخدمة الأمّة ومساعدتهم إذا كانت الصّدقة في مصلحة عامّة.
فإذا أتبعت الصّدقة بالمنّ والأذى كان ذلك هدما لما بنته وإبطالا لما عملته، وكلّ عمل لا يؤدّي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل، كأنّه لم يكن، فكيف إذا أتبع بضدّ الغاية ونقيضها!
كذلك تكون صلاة المرائي باطلة، لأنّ الغرض منها لم يحصل، وهو توجّه القلب إلى اللّه تعالى، واستشعار سلطانه، والإذعان لعظمته والشّكر لإحسانه، وقلب المرائي إنّما يتوجّه إلى من يرائيه.
هذا هو معنى إبطال المنّ والأذى للصّدقة، والّذي