فهرس الكتاب

الصفحة 2732 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 25

على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم عليه وفد نصارى نجران، وفيهم الأسقفّ وهو أبو حارثة بن علقمة، والسّيّد والعاقب وغيرهم من رؤسائهم، فدار بينهم وبين رسول اللّه في معنى المسيح عليه السّلام- ما هو مشروح في كتب التّفاسير ولا حاجة بنا إلى استقصاء شرحه، لأنّه خارج عن غرضنا في هذا الكتاب- فلمّا دعاهم صلّى اللّه عليه وآله إلى الملاعنة، أقعد بين يديه أمير المؤمنين عليّا، ومن ورائه فاطمة، وعن يمينه الحسن، وعن يساره الحسين عليهم السّلام أجمعين، ودعاهم هو صلّى اللّه عليه وآله إلى أن يلاعنوه، فامتنعوا من ذلك خوفا على أنفسهم، وإشفاقا من عواقب صدقه وكذبهم؛ وكان دعاء الأبناء مصروفا إلى الحسن والحسين عليهما السّلام، ودعاء النّساء مصروفا إلى فاطمة عليها السّلام، ودعاء الأنفس مصروفا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، إذ لا أحد في الجماعة يجوز أن يكون ذلك متوجّها إليه غيره، لأنّ دعاء الإنسان نفسه لا يصحّ، كما لا يصحّ أن يأمر نفسه.

وفي هذه الآية أيضا دليل على أنّ ابن البنت يسوغ تسميته ابنا في لسان العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى:

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ... ، وقد أجمع العلماء على أنّ المراد بذلك الحسن والحسين عليهما السّلام.

وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال للحسن: إنّ ابني هذا سيّد. وقد قال بعضهم: أنّ هذا مخصوص في الحسن والحسين أن يسمّيا ابني رسول اللّه دون غيرهما، قال: ومن الدّليل على خصوص ذلك فيهما قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله:"كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي"، وليس يتوجّه قوله: ونسبي، إلّا إلى من ولدته فاطمة ابنته عليها السّلام؛ إذ ليس هناك ولد ذكر من صلبه اتّصل نسبه وضرب عرقه، فالنّسب إليه من ولد ابنته.

وروى الحسن بن زياد اللّؤلؤيّ صاحب أبي حنيفة، عنه:"إنّ من أوصى لولد فلان، وله ولد ابن وولد بنت، دخل ولد البنت في الوصيّة"؛ فعلى هذا القول يسوغ أن يسمّى ابن البنت ولدا. وقال لي شيخنا أبو بكر محمد بن موسى الخوارزميّ: رواية الحسن بن زياد في ذلك تخالف قول محمّد بن الحسن، فإنّ محمّدا يقول في هذه المسألة:

"إنّ الوصيّة لولد الابن دون ولد البنت".

فإن قال قائل: كيف صحّ دخول الحسن والحسين في المباهلة وهي: الملاعنة، وهما صغيران، والأطفال لا يستحقّون اللّعن، ولو كانوا أطفال المشركين، لأنّهم لا ذنوب لهم استحقّوا بها ذلك؟ فالّذي أجاب به قاضي القضاة أبو الحسن في هذا: أنّ العقوبات النّازلة في تكذيب الأنبياء عليهم السّلام على وجه الاستئصال تكون عامّة تدخل فيها الصّغار، وإن كان ما ينالهم على وجه المحنة لا على وجه العقوبة، ويجري ذلك مجرى ما ينزل بهم من الأمراض والأسقام والجرائح العظام وطوارق الحمام، وقد أومأ أبو عليّ إلى هذا الجواب في تفسيره.

وقال أيضا:"ممّا يدلّ على أنّه تعالى لم يعن الصّغار باللّعن قوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ، والأطفال لا يدخلون تحت هذا الاسم، لأنّ الكاذبين هم الّذين كذبوا على اللّه ورسوله، والأطفال ليسوا بهذه الصّفة، فقد خرجوا من استحقاق اللّعنة". (229)

الماورديّ: وفي قوله: نَبْتَهِلْ تأويلان:

أحدهما: نلتعن، والثّاني: ندعو بهلاك الكاذب. [ثمّ استشهد بشعر]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت