فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 30
وممّا يؤكّد هذا قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ إلى قوله: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى الأنعام: 84، 85، ومعلوم أنّ عيسى عليه السّلام إنّما انتسب إلى إبراهيم عليه السّلام بالأمّ، لا بالأب؛ فثبت أنّ ابن البنت قد يسمّى ابنا، واللّه أعلم. [إلى أن قال:]
قوله: ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل، كما يقال: اقتتل القوم وتقاتلوا، واصطحبوا وتصاحبوا. والابتهال فيه وجهان:
أحدهما: أنّ الابتهال هو الاجتهاد في الدّعاء، وإن لم يكن باللّعن، ولا يقال: ابتهل في الدّعاء إلّا إذا كان هناك اجتهاد.
والثّاني: أنّه مأخوذ من قولهم: عليه بهلة اللّه، أي لعنته، وأصله مأخوذ ممّا يرجع إلى معنى اللّعن، لأنّ معنى اللّعن هو الإبعاد والطّرد، وبهله اللّه، أي لعنه وأبعده من رحمته، من قولك: أبهله، إذا أهمله. وناقة باهل، لاصرار عليها، بل هي مرسلة مخلّاة، كالرّجل الطّريد المنفيّ.
وتحقيق معنى الكلمة: أنّ"البهل"إذا كان هو الإرسال والتّخلية، فكان من بهله اللّه فقد خلّاه اللّه ووكله إلى نفسه، ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا شكّ فيه، فمن باهل إنسانا فقال: على بهلة اللّه إن كان كذا، يقول: وكلني اللّه إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوّتي، أي من كلاءته وحفظه، كالنّاقة الباهل الّتي لا حافظ لها في ضرعها، فكلّ من شاء حلبها وأخذ لبنها، لا قوّة لها في الدّفع عن نفسها. ويقال أيضا: رجل باهل، إذا لم يكن معه عصا، وإنّما معناه أنّه ليس معه ما يدفع عن نفسه.
والقول الأوّل أولى، لأنّه يكون قوله: ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي ثمّ نجتهد في الدّعاء، ونجعل اللّعنة على الكاذب.
وعلى القول الثّاني يصير التّقدير: ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي ثمّ نلتعن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ وهي تكرار.
بقي في الآية سؤالات أربع:
السّؤال الأوّل: الأولاد إذا كانوا صغارا، لم يجز نزول العذاب بهم، وقد ورد في الخبر أنّه صلوات اللّه عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السّلام، فما الفائدة فيه؟
والجواب: إنّ عادة اللّه تعالى جارية بأنّ عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد والنّساء، فيكون ذلك في حقّ البالغين عقابا، وفي حقّ الصّبيان لا يكون عقابا، بل يكون جاريا مجرى إماتتهم، وإيصال الآلام والأسقام إليهم. ومعلوم أنّ شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جدّا، فربّما جعل الإنسان نفسه فداء لهم وجنّة لهم، وإذا كان كذلك: فهو عليه السّلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه، وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك، ليكون ذلك أبلغ في الزّجر وأقوى في تخويف الخصم، وأدلّ على وثوقه صلوات اللّه عليه وعلى آله، بأنّ الحقّ معه.
السّؤال الثّاني: هل دلّت هذه الواقعة على صحّة نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم؟
الجواب: إنّها دلّت على صحّة نبوّته عليه السّلام من وجهين:
أحدهما: وهو أنّه عليه السّلام خوّفهم بنزول العذاب عليهم، ولو لم يكن واثقا بذلك، لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه لأنّ بتقدير: أن يرغبوا في مباهلته، ثمّ