فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 100
فالكوفيّون يجوّزونه، كقوله تعالى: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى النّازعات: 41، أي مأواه، والبصريّون يمنعونه، ويقولون: الضّمير محذوف، أي المأوى له.
وأمّا كونها عوضا عن"المضاف إليه"فقال ابن عادل: لا نعرف فيه خلافا.
سادسها: أنّه منصوب على المفعول معه، أي مع الإيمان. قال وهب: سمعت مالكا يذكر فضل"المدينة"على غيرها من الآفاق، فقال: إنّ المدينة تبوّأت بالإيمان والهجرة، وإنّ غيرها من القرى افتتحت بالسّيف، ثمّ قرأ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ. (4: 246)
البروسويّ: وأصل"البواء"مساواة الأجزاء في المكان، خلاف"النّبو"الّذي هو منافاة الأجزاء، يقال:
مكان بواء، إذا لم يكن نابيا بنازله، وبوّأت له مكانا:
سوّيت. وروي أنّه عليه السّلام كان يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله، وتبوّؤ لمنزل: اتّخاذه منزلا والتّمكّن والاستقرار فيه، فالمتبوّأ فيه لا بدّ أن يكون من قبيل المنازل والأمكنة.
و (الدّار) هي المدينة وتسمّى قديما يثرب، وحديثا طيبة، وطابة كذلك، بخلاف (الايمان) فإنّه ليس من هذا القبيل، فمعنى تبوّئهم الدّار والإيمان: أنّهم اتّخذوا المدينة والإيمان مباءة، وتمكّنوا فيهما أشدّ تمكّن، على تنزيل الحال منزلة المكان.
وقيل: ضمّن التّبوّؤ معنى اللّزوم. وقيل: تبوّأوا الدّار وأخلصوا الإيمان أو قبلوه أو آثروه، كقول من قال:
* علفتها تبنا وماء باردا*
أي وسقيتها ماء باردا، فاختصر الكلام، وقيل غير ذلك.
يقول الفقير: لعلّ أصل الكلام: والّذين تبّوّأوا دار الإيمان، فإنّ"المدينة"يقال لها: دار الإيمان، لكونها مظهره ومأوى أصله، كما يقال لها: دار الهجرة، وإنّما عدل إلى ما ذكر من صورة العطف تنصيصا على إيمانهم؛ إذ مجرّد التّبوّؤ لا يكفي في المدح. (9: 432)
الآلوسيّ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا ... الأكثرون على أنّه معطوف على المهاجرين، والمراد بهم الأنصار. والتّبوّؤ:
النّزول في المكان، ومنه المباءة للمنزل، ونسبته إلى (الدّار) والمراد بها"المدينة"ظاهرا.
وأمّا نسبته إلى (الايمان) فباعتبار جعله مستقرّا ومتوطّنا على سبيل الاستعارة المكنيّة التّخييليّة، والتّعريف في (الدّار) للتّنويه، كأنّها الدّار الّتي تستحقّ أن تسمّى دارا، وهي الّتي أعدّها اللّه تعالى لهم ليكون تبوّؤهم إيّاها مدحا لهم.
وقال غير واحد: الكلام من باب:
* علفتها تبنا وماء باردا*
أي تبوّأوا الدّار وأخلصوا الإيمان. وقيل: التّبوّؤ مجاز مرسل عن اللّزوم، وهو لازم معناه، فكأنّه قيل: لزموا الدّار والإيمان.
وقيل: في توجيه ذلك أنّ"أل"في (الدّار) للعهد، والمراد: دار الهجرة، وهي تغني غناء الإضافة. وفي (و الايمان) حذف مضاف، أي ودار الإيمان، فكأنّه قيل: تبوّأوا دار الهجرة ودار الإيمان.
على أنّ المراد بالدّارين"المدينة"، والعطف كما في قولك: رأيت الغيث واللّيث، وأنت تريد زيدا، ولا يخفى ما فيه من التّكلّف والتّعسّف.