المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 109
(الدّار) ولا معنى لتبوّؤ الإيمان فالإيمان ليس مكانا كالدّار؟ فقالوا: أي جعلوا ديارهم موضع مقامهم وآمنوا باللّه من قبلهم، أو توطّنوا المدينة واتّخذوها دار الهجرة والإيمان، أو لزموا المدينة وقبلوا الإيمان وآثروه، أو لزموا المدينة ومواضع الإيمان، أو تبوّء الدّار وأخلصوا الإيمان، أو جعلوا الإيمان مستقرّا ومتوطّنا لهم لتمكّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، أو أريد دار الهجرة ودار الإيمان فأقيم (ال) من (الدّار) مقام المضاف إليه، وحذف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه- وهو الإيمان- مقامه أو سمّي المدنيّة (الايمان) لأنّها دار الهجرة دار الإيمان، أو تبوّأ الدّار مع الإيمان، أو واعتقدوا الإيمان وأخلصوه، أو أن تبوّأو الإيمان على سبيل المثل مثل"تبوّأ من بنى فلان الصّميم"، أو ضمّن (تبوّأو) معنى"لزموا"أو لمّا كان الإيمان حد شملهم صار كالمكان الّذي يقيمون فيه- لكنّه استلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز- أو اتّخذوا المدينة والإيمان مباءة، أو أنّ تبوّأ الإيمان: تعميره ورفع نواقصه، أو أريد بالإيمان القلوب بعلاقة الحالّ والمحلّ أي أنّ الأنصار تبوّؤا دارهم وقلوبهم للمهاجرين إلى غيرها.
هذا: وقد التزم كلّهم بتقدير شي ء أو حذف أو تجوّز ونحوها والّذي نختاره هو قول الشّريف الرّضيّ الأديب البارع- وقد تقدّم- وهو أنّه استعارة حيث شبّه الإيمان بالمكان لأنّهم استقرّوا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان، وقال: إنّه من صميم البلاغة ولباب الفصاحة وقد زاد لفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا، ألا ترى كم بين قولنا:"استقرّوا في الإيمان"وبين قولنا"تبوّأو الإيمان ..."وبعض تلك الوجوه يحتمل هذا الوجه أيضا ومنها قول البروسويّ: إنّه استعارة مكنيّة تخييليّة وهناك بحث آخر في قوله: مِنْ قَبْلِهِمْ حيث أنكروا إيمان الأنصار قبل المهاجرين فقالوا فيه تقديم وتأخير:
أي والّذين تبوّأ الدّار من قبلهم والإيمان، أو أريد أنّ الأنصار آمنوا قبل هجرتهم، لا قبل إيمانهم.
وعاشرا: اختلفوا أيضا في (8) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ في أربع:
1 -"مبوّء"هل هو مصدر ميميّ، أو اسم مكان وجهان محتملان لا ترجيح لأحدهما.
2 -نصب (مبوّء) إمّا لكونه مفعولا مطلقا للفعل أي:
بوّأناهم تبوّأ صدق، وهذا هو الرّاجح بناء على كونه مصدرا، أو ظرفا للفعل أي بوّأناهم في مبوء صدق كقوله: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا العنكبوت: 58.
وإليه يؤل تفسيره بالمنزل والمكان في النّصوص أو مفعولا ثانيا للفعل على الاتّساع إن كان مصدرا هذه وجوه ثلاثة ولكلّ وجه ولعلّ الظّرفيّه أوجه فيكون نظير: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ القمر: 54، 55 ووَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ الإسراء: 80.
3 -اختلفوا في معنى (مبوّا صدق) : إنّه كالصّدق في الفضل نظير أخو صدق أن كفضل الصّدق على الكذب، أو تصدّق به عليهم، لأنّ الصّدقة والبرّ من الصّدق، صالحا مرضيّا يصدق فيه ظنّ قاصده وساكنه وأهله، مكانا محمودا، منزلا كريما، موضع خصب وأمن يصدق فيما يدلّ عليه من جلالة النّعمة، فضل وكرامة، مكان صدق الوعد، أضيف إلى الصّدق لدلالته على صدق