فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 150
على الدّنيا وانهماكهم في الشّهوات، هو السّبب في استغراقهم في التّمتّع، وانصراف هممهم إلى الاشتغال بالأسباب، وهو السّبب لنسيانهم الذّكر، والعدول عن التّوحيد إلى الشّرك؛ فتبيّن بذلك أنّ قوله: وَكانُوا قَوْمًا بُورًا من تمام الجواب.
وأمّا من جعل الجملة اعتراضا تذييليّا مقرّرا لمضمون ما قبله، واستفاد منه أنّ السّبب الأصليّ في ضلالهم أنّهم كانوا بحسب ذواتهم أشقياء هالكين، وليس ذلك إلّا بقضاء حتم منه تعالى في سابق علمه، فهو المضلّ لهم حقيقة، وإنّما نسب إلى أنفسهم أدبا.
ففيه أوّلا: إنّه إفساد لمعنى الآية؛ إذ لا موجب حينئذ لإيراد الاستدراك، بقوله: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ لكونه فضلا لا حاجة إليه.
وثانيا: أنّ نسبة البوار والشّقاء إلى ذوات الأشياء ينافي ما أطبق عليه العقلاء بفطرتهم، من تأثير التّعليم والتّربية، والحسّ والتّجربة يؤيّدان ذلك، وهو يناقض القول بالاختيار والجبر معا. أمّا مناقضة القول بالاختيار فظاهر، وأمّا مناقضة القول بالجبر، فلأنّ الجبريّ يقصر العلّيّة في الواجب تعالى وينفيه عن غيره، ويناقضه نسبة الاقتضاء الضّروريّ إلى ذوات الأشياء وماهيّاتها.
وثالثا: أنّ فيه خلطا في معنى القضاء من حيث متعلّقه، فكون القضاء حتما لا يوجب خروج الفعل الّذي تعلّق به من الاختيار إلى الإجبار، فإنّ القضاء إنّما تعلّق بالفعل بحدوده، وهو صدوره عن اختيار الفاعل من حيث إنّه صادر عن اختياره، فتعلّقه يوجب تأكّد كونه اختياريّا، لا أنّه يزيل عنه وصف الاختيار.
ورابعا: أنّ قولهم: إنّ المضلّ بالحقيقة هو اللّه، وإنّما نسبوا الضّلال إلى الكفّار أنفسهم تأدّبا. وبمثله صرّحوا في نسبة المعاصي والأعمال القبيحة الشّنيعة والفجائع الفظيعة إلى فواعلها، أنّها في عين أنّها من أفعاله تعالى إنّما تنسب إلى غيره تأدّبا، كلام متهافت، فإنّ الأدب- كما تقدّم تفصيل القول فيه في الجزء السّادس من الكتاب- هو الهيئة الحسنة الّتي ينبغي أن يقع عليها فعل مّا، وبعبارة أخرى ظرافة الفعل؛ وإذ كان الحقّ الصّريح في الفعل غير الجميل أنّه فعل اللّه سبحانه ولا يشاركه في فعله غيره بأيّ وجه فرض، كانت نسبته إلى غيره تعالى نسبة باطلة غير حقّ، وكذبا وفرية لا تطابق الواقع.
فليت شعري أيّ أدب جميل في إماطة حقّ صريح وإحياء باطل؟ وأيّ ظرافة ولطف في الكذب والفرية بإسناد الفعل إلى غير فاعله؟
واللّه سبحانه أجلّ من أن يعظم بباطل أو بالسّتر على بعض أفعاله، أو بالكذب والفرية بإسناد بعض ما يفعله إلى غيره؛ وإذ كان جميلا لا يفعل إلّا الجميل، فما معنى التّأدّب بنفي بعض أفعاله عنه؟ (15: 191)
بنت الشّاطئ: وسأل نافع عن قوله تعالى:
وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا فقال ابن عبّاس: هلكى، بلغة عمان، وهم من اليمن. [ثمّ استشهد بشعر]
الكلمة من آية الفتح: 12، في المخلّفين من الأعراب:
[ثمّ ذكرت الآيات الآتية في الاستعمال القرآنيّ وقالت:]
تفسير (بور) بهلكى قريب، والقول إنّها بلغة عمان، يسوّغ التّرادف. ثمّ لا يفوتنا ما في دلالة مادّتها على