فهرس الكتاب

الصفحة 2876 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 168

يغفل عن ذلك، بل قال: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ طه: 52، مزيدا في الحجاج بشأن الرّبّ.

5 -إنّ موسى لمّا أخبر عن عذاب الأقوام، قال فرعون: إنّهم اليوم ليسوا إلّا أحاديث، ولا يعلم حالهم، فكيف يعذّبهم؟

فأجاب موسى بأنّ حالهم معلوم للّه تعالى، مثبت في كتاب عنده، فيجزيهم حسب أعمالهم، ويؤيّده ذكر"الكتاب"الّذي فيه الأعمال.

وعلى كلّ حال، فأكثر هذه الوجوه- إن لم نقل: كلّها- لها ارتباط واتّصال بما تقدّمها من احتجاج موسى على وجود الرّبّ سبحانه.

رابعا: جاء في الآيتين (3) و (4) إصلاح بال المؤمنين مرّتين؛ ففي الأولى قارن اللّه المؤمنين بالكافرين، فقال في الكافرين: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، وفي المؤمنين: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ* وَأَصْلَحَ بالَهُمْ.

وفي الثّانية قال في شأن المستشهدين في سبيل اللّه:

وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ، وفي الآيتين مواضع تلفت النّظر وتثير السّؤال:

1 -جاء في الأولى إضلال أعمال الكافرين مقابل إصلاح بال المؤمنين، فركّز في جانب الكفّار إضلال أعمالهم، وفي جانب المؤمنين إصلاح بالهم. ويبدو أنّ المقارنة بينهما تكشف عمّا أضمر في كلّ منهما، ففي الكفّار أضمر فساد بالهم كعلّة لضلال أعمالهم، وفي المؤمنين أضمر صلاح أعمالهم كنتيجة لإصلاح بالهم، أي أنّهم لمّا أصلح بالهم فسيتبعه حتما صلاح أعمالهم. والحاصل هو تتابع أعمال كلّ فريق لأحوال بالهم، كما قال تعالى:

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ الإسراء: 84.

2 -وجاء في جانب الكفّار الّذين صدّوا عن سبيل اللّه أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، فنسب الصّدّ إليهم والإضلال إلى اللّه، مجازاة لصدّهم. فليس هذا الإضلال جبرا ولا ظلما كما فهمته الأشاعرة، فجزاء السّيّئ بالسّيّئ عدل: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها الشّورى:

40، وكذلك نسبة إصلاح بالهم إلى اللّه جزاء لهم ورحمة عليهم. ومثلها كلّ ما يشعر بالجبر في القرآن من آيات الهداية والضّلالة، كقوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة: 26.

3 -وكذلك إضلال أعمالهم يناسب صدّهم عن سبيل اللّه، فإنّ السّبيل إذا صدّ عنه ضلّ السّالك فيه، فعمله عمل ضالّ. وجاء في جانب المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات أَصْلَحَ بالَهُمْ، فصلاح الأعمال ينشأ من صلاح البال، كما كان ضلال الأعمال ناشئا من الصّدّ عن السّبيل.

4 -قدّم في (3) الكافرين على المؤمنين تقديما للإنذار على التّبشير، كما جاء عكسه في القرآن كثيرا، حسب مقتضى الأحوال [لاحظ"ب ش ر"]

5 -وصف الّذين كفروا بأنّهم صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ووصف الّذين آمنوا بأنّهم عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ. وهذا التّقابل نوع من المحسّنات أيضا، فيفيد عدم اتّصاف كلّ من الفريقين بما اتّصف به الآخر. فالكفّار لم يتّصفوا بعمل الصّالحات، ولم يؤمنوا بما نزّل على محمّد، كما أنّ المؤمنين لم يتّصفوا بالصّدّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت