فهرس الكتاب

الصفحة 2967 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 259

وجوابه: أنّه لو لا قوله تعالى في آخر هذه الآية:

(من الفجر) ، لكان السّؤال لازما؛ وذلك لأنّ الفجر إنّما يسمّى فجرا، لأنّه ينفجر منه النّور، وذلك إنّما يحصل في الصّبح الثّاني لا في الصّبح الأوّل، فلمّا دلّت الآية على أنّ هذا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ يجب أن يكون من الفجر، علمنا أنّه ليس المراد منه الصّبح الكاذب بل الصّبح الصّادق.

فإن قيل: فكيف يشبّه الصّبح الصّادق بالخيط، مع أنّ الصّبح الصّادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل.

جوابه: أنّ القدر من البياض الّذي يحرم هو أوّل الصّبح الصّادق، وأوّل الصّبح الصّادق لا يكون منتشرا بل يكون صغيرا دقيقا، بل الفرق بينه وبين الصّبح الكاذب: أنّ الصّبح الكاذب يطلع دقيقا، والصّادق يبدو دقيقا، ويرتفع مستطيلا، فزال السّؤال.

فأمّا ما حكي عن عديّ ابن حاتم فبعيد، لأنّه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ. [إلى أن قال:]

المسألة الرّابعة: زعم الأعمش أنّه يحلّ الأكل والشّرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشّمس، قياسا لأوّل النّهار على آخره، فكما أنّ آخره بغروب القرص، وجب أن يكون أوّله بطلوع القرص.

وقال: في الآية أنّ المراد ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ والْخَيْطِ الْأَسْوَدِ: النّهار واللّيل، ووجه الشّبه ليس إلّا في البياض والسّواد. فأمّا أن يكون التّشبيه في الشّكل مرادا، فهذا غير جائز، لأنّ ظلمة الأفق حال طلوع الصّبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشّكل ألبتّة، فثبت أنّ المراد ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ والْخَيْطِ الْأَسْوَدِ هو النّهار واللّيل.

ثمّ لمّا بحثنا عن حقيقة اللّيل في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشّمس، بدليل أنّ اللّه تعالى سمّى ما بعد المغرب ليلا مع بقاء الضّوء فيه؛ فثبت أن يكون الأمر في الطّرف الأوّل من النّهار كذلك، فيكون قبل طلوع الشّمس ليلا، وأن لا يوجد النّهار إلّا عند طلوع القرص، فهذا تقرير قول الأعمش.

ومن النّاس من سلّم أنّ أوّل النّهار إنّما يكون من طلوع الصّبح، فقاس عليه آخر النّهار، ومنهم من قال:

لا يجوز الإفطار إلّا بعد غروب الحمرة، ومنهم من زاد عليه وقال: بل لا يجوز الإفطار إلّا عند طلوع الكواكب، وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها، فلا فائدة في استقصاء الكلام فيها.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: (من الفجر) فقيل:

للتّبعيض، لأنّ المعتبر بعض الفجر لا كلّه، وقيل:

للتّبيين، كأنّه قيل: الخيط الأبيض الّذي هو الفجر.

نحوه الشّربينيّ. (1: 123)

أبو حيّان: ظاهره أنّه الخيط المعهود، ولذلك كان جماعة من الصّحابة إذا أرادوا الصّوم، ربط أحدهم في رجله خيطا أبيض وخيطا أسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبيّنا له، إلى أن نزل قوله تعالى: (من الفجر) ، فعلموا أنّما عنى بذلك من اللّيل والنّهار. روى ذلك سهل بن سعد في نزول هذه الآية، وروى أنّه كان بين نزول: (و كلوا) الآية، وبين نزول: (من الفجر) سنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت