فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 260
من رمضان إلى رمضان.
قال الزّمخشريّ: ومن لا يجوّز تأخير البيان، وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم، فلم يصحّ عندهم هذا الحديث، لمعنى حديث سهل بن سعد. وأمّا من يجوّزه فيقول: ليس بعبث، لأنّ المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به، انتهى كلامه.
وليس هذا عندي من تأخير البيان إلى وقت الحاجة، بل هو من باب النّسخ، ألا ترى أنّ الصّحابة عملت به، أعني بإجراء اللّفظ على ظاهره إلى أن نزلت:
مِنَ الْفَجْرِ، فنسخ حمل الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ والْخَيْطِ الْأَسْوَدِ على ظاهرهما، وصارا ذلك مجازين، شبّه بالخيط الأبيض: ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وبالأسود: ما يمتدّ معه من غبش اللّيل، شبّها بخيطين أبيض وأسود.
وأخرجه من الاستعارة إلى التّشبيه قوله: (من الفجر) كقولك: رأيت أسدا من زيد، فلو لم يذكر"من زيد"كان استعارة، وكان التّشبيه هنا أبلغ من الاستعارة، لأنّ الاستعارة لا تكون إلّا حيث يدلّ عليها الحال أو الكلام، وهنا لو لم يأت (من الفجر) لم يعلم الاستعارة، ولذلك فهم الصّحابة الحقيقة من الخيطين قبل نزول (من الفجر) .
حتّى أنّ بعضهم، وهو عديّ بن حاتم غفل عن هذا التّشبيه، وعن بيان قوله: (من الفجر) فحمل الخيطين على الحقيقة، وحكى ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضحك، وقال:"إن كان وسادك لعريضا"، وروي:"إنّك لعريض القفا، إنّما ذاك بياض النّهار وسواد اللّيل". والقفا العريض يستدلّ به على قلّة فطنة الرّجل. [ثمّ ذكر قول الزّجّاج بأنّهما فجران، وأضاف:]
فعنده الخيطان: هما الفجران، سمّيا بذلك لامتدادهما تشبيها بالخيطين، وقوله: (من الفجر) يدلّ على أنّه أريد ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: الصّبح الصّادق؛ وهو البياض المستطير في الأفق، لا الصّبح الكاذب، وهو البياض المستطيل، لأنّ الفجر هو انفجار النّور، وهو بالثّاني لا بالأوّل.
وشبّه ب (الخيط) وذلك بأوّل حاله، لأنّه يبدو دقيقا، ثمّ يرتفع مستطيرا. فبطلوع أوّله في الأفق يجب الإمساك. هذا مذهب الجمهور، وبه أخذ النّاس، ومضت عليه الأعصار والأمصار، وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب.
وقيل: يجب الإمساك بتبيّن الفجر في الطّرق وعلى رؤوس الجبال، وهذا مرويّ عن عثمان وحذيفة وابن عبّاس وطلق بن عليّ وعطاء والأعمش وغيرهم.
وروي عن عليّ أنّه صلّى الصّبح بالنّاس، ثمّ قال:
"الآن تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود"، وممّا قادهم إلى هذا القول أنّهم يرون أنّ الصّوم إنّما هو في النّهار، والنّهار عندهم من طلوع الشّمس إلى غروبها.
[إلى أن قال:]
و (من) الأولى هي لابتداء الغاية، قيل: وهي مع ما بعدها في موضع نصب، لأنّ المعنى حتّى يباين الخيط الأبيض الخيط الأسود، كما يقال: بانت اليد من زندها، أي فارقته.