فهرس الكتاب

الصفحة 2969 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 261

و (من) الثّانية للتّبعيض، لأنّ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ هو بعض الفجر وأوّله، ويتعلّق أيضا ب (يتبيّن) ، وجاز تعلّق الحرفين بفعل واحد وقد اتّحد اللّفظ لاختلاف المعنى، ف (من) الأولى هي لابتداء الغاية و (من) الثّانية هي للتّبعيض.

ويجوز أن يكون للتّبعيض للخيطين معا على قول الزّجّاج، لأنّ الفجر عنده فجران، فيكون الفجر هنا لا يراد به الأفراد بل يكون جنسا. قيل: ويجوز أن يكون (من الفجر) حالا من الضّمير في الأبيض، فعلى هذا يتعلّق بمحذوف، أي كائنا من الفجر.

ومن أجاز أن تكون (من) للبيان أجاز ذلك هنا، فكأنّه قيل: حتّى يتبيّن لكم الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الّذي هو الفجر مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ واكتفى ببيان الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ عن بيان الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لأنّ بيان أحديهما بيان للثّاني.

وكان الاكتفاء به أولى، لأنّ المقصود بالتّبيّن والمنوط بتبيينه الحكم من إباحة المباشرة والأكل والشّرب، ولقلق اللّفظ لو صرّح به؛ إذ كأن يكون (حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى اللّيل، فيكون(من الفجر) بيانا للخيط الأبيض، و (من الّيل) بيانا للخيط الأسود، ولكون مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ جاء فضلة، فناسب حذف بيانه. (2: 50)

فاضل المقداد: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: هو الفجر الثّاني المعترض في الأفق كالخيط الممدود، و (الخيط الاسود) : ما يمتدّ معه من الغبش، تشبيها بخيطين أبيض وأسود، وليسا بمستعارين لقوله: (من الفجر) ، لأنّ من شرط الاستعارة أن يجعل المستعار منه نسيا منسيّا.

روى سهل السّاعديّ أنّها نزلت ولم يكن قوله:

(من الفجر) ، فكان رجالا إذا صاموا يشدّون في أرجلهم خيوطا بيضا وسودا، فلم يزالوا يأكلون ويشربون حتّى يتبيّن لهم، ثمّ نزل لهم البيان في قوله: (من الفجر) .

فإن صحّ هذا النّقل ففيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وهو مذهب الأشاعرة.

ومنعه أبو الحسين محتجّا بأنّ الخطاب بما لا يفهم منه المراد عبث، وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم.

وفيه نظر، لجواز أن يكون المراد بالخطاب هو استعداد الامتثال والعزم على فعل المأمور به بعد البيان، فيثاب على العزم فلا يكون عبثا، لكن ينبغي أن يكون هذا قبل دخول رمضان، وإلّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو باطل إجماعا. (1: 215)

البروسويّ: هو أوّل ما يبدو من بياض النّهار، كالخيط الممدود دقيقا ثمّ ينتشر، مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ: هو ما يمتدّ من سواد اللّيل مع بياض النّهار.

فإنّ الصّبح الصّادق إذا بدا يبدو كأنّه خيط ممدود في عرض الأفق، ولا شكّ أنّه يبقى معه بقيّة من ظلمة اللّيل؛ بحيث يكون طرفها الملاصق لما يبدو من الفجر كأنّه خيط أسود في جنب خيط أبيض، لأنّ نور الصّبح إنّما ينشقّ في خلال ظلمة اللّيل، فشبّها بخيطين أبيض وأسود، (من الفجر) ، أي انشقاق عمود الصّبح بيان للخيط الأبيض، واكتفى ببيانه عن بيان الأسود لدلالته عليه.

والتّقدير: حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الفجر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت