فهرس الكتاب

الصفحة 2982 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 274

قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ.

وإمّا لقصد التّفنّن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدّة أساليب، كما في قوله: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ البقرة: 58، وقوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا الأعراف: 161. (3: 47)

رشيد رضا: قيل: إنّ بياض الوجوه وسوادها هاهنا من باب الحقيقة، وأنّ ذلك يكون يوم القيامة خاصّة، واحتجّ صاحب هذا القول بمثل قوله تعالى:

وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الزّمر: 60.

وقيل: وهو الرّاجح، أنّه من باب الكناية. [و نقل قول الرّاغب ثمّ قال:]

أقول: ولا يزال هذا الاستعمال شائعا عند كلّ ناطق بالضّاد، لا سيّما وصف الكاذب بسواد الوجه، فتعجّبوا لسواد وجه الكاذب، هذا هو الرّاجح في تفسير الآية وفاقا للرّاغب ولأبي مسلم والمختار عند الأستاذ الإمام؛ إذ حمل العذاب في الآية على عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة جميعا، ويدلّ على ما يكون في الآخرة الآيات الّتي ذكرناها آنفا في بحث استعمال السّواد والبياض في المعاني؛ إذ فيها التّصريح بذكر ذلك اليوم.

وأمّا ما يكون في الدّنيا فقد قال الأستاذ الإمام في بيانه ما مثاله:

أمّا المتّفقون الّذين جمعوا عزائمهم وإرادتهم على العمل، بما فيه مصلحة أمّتهم وملّتهم، واعتصموا واتّفقوا على الأعمال النّافعة الّتي فيها عزّتهم وشرفهم، وأصبح كلّ واحد منهم عونا للآخر ووليّا له، فأولئك تبيضّ وجوههم، أي تنبسط وتتلألأ بهجة وسرورا، عند ظهور أثر الاتّفاق والاعتصام ونتائجهما، وهي السّلطة والعزّة والشّرف، وارتفاع المكانة وسعة السّلطان.

وهذا الأثر ظاهر في الأمم المتّفقة المتّحدة الّتي يتألّم مجموعها، إذا أهين واحد منها في قطر من أقطار الأرض بعيد أو قريب، وتجيش جميعها مطالبة بنصره والانتقام له، لأنّه ظلم وأهين، ولا يصحّ عندها أن يكون منها، ثمّ يظلم أو يهان وتكون هي راضية ناعمة البال. أولئك الأقوام ترى على وجوههم لألاء العزّة وتألّق البشر بالشّرف والرّفعة، وهو ما يعبّر عنه ببياض الوجه.

وأمّا المختلفون لافتراقهم في المقاصد، وتباينهم في المذاهب والمشارب، الّذين لا يتناصرون ولا يتعاضدون، ولا يهتمّ أفرادهم بالمصلحة العامّة الّتي فيها شرف الملّة وعزّة الأمّة، فهم الّذين تسودّ وجوههم بالذّلّة والكآبة، يوم تظهر عاقبة تفرّقهم واختلافهم بقهر الأجنبيّ لهم، ونزعة السّلطة من أيديهم.

والتّاريخ شاهد على صدق هذا الجزاء في الماضين، والمشاهدة أصدق وأقوى حجّة في الحاضرين.

عزّة دروزة: والمتبادر أنّ تعبير ابيضاض الوجوه واسودادها مجازيّ، مستمدّ من المألوفات الخطابيّة، في مواقف الفوز والإخفاق والصّدق والكذب.

ولقد روى ابن كثير في سياق تفسير يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، أنّ ابن عبّاس قال: تبيضّ وجوه أهل السّنّة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدع والفرقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت