فهرس الكتاب

الصفحة 2983 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 275

والقول في حدّ ذاته وجيه وفي محلّه، وإن كان هذا لا يمنع من ملاحظة كون ظهور البدع والأهواء، وتعبير أهل السّنّة والجماعة هما متأخّران عن زمن ابن عبّاس.

محمّد حسين فضل اللّه: ليست القضيّة قضيّة صفة ذاتيّة عاديّة، يراد منها تقييم الإنسان من ناحية ذاتيّة، لأنّ طبيعة القضيّة تتّصل بالجانب العامّ الشّامل لحياة الإنسان.

أمّا ذلك الفلاح وهذا العذاب فإنّهما يبرزان بأعلى صفاتهما في مواجهة الإنسان، للمصير في موقفه أمام اللّه، عند ما يتحدّد للإنسان مصيره من خلال انطباع أعماله على وجهه، فهناك النّاس الّذين تبيضّ وجوههم بما عملوا من خير، من خلال ما يمثّله من صفاء ونقاء وبياض ناصع؛ وهناك النّاس الّذين تسودّ وجوههم بما عملوا من شرّ، من خلال ما يمثّله من سواد وظلمة وقلق، وذلك هو قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.

وهذا تعبير إيحائيّ عن الحالة الرّوحيّة، الّتي تترك تأثيراتها على الصّورة البارزة للإنسان، من خلال عناصرها الخاصّة في الذّات، فإذا كانت الرّوح منفتحة على الجانب المشرق من النّيّات الخيّرة والأعمال الصّالحة، فإنّ ذلك ينعكس على إشراقة الوجه نورا وإشراقا وبشرا، لأنّ هذا الإنسان لا يشكو من عقدة تثقل روحه وتشوّه صورته.

وأمّا إذا كانت الرّوح منغلقة على الخير، ومنفتحة على الشّرّ في الدّوافع والأعمال، فإنّ الإنسان يبدو من خلالها شيطانا في ملامحه، معبّرا في وجهه، مظلما في ذاته.

وهذا ما يوحي بالحقيقة الإنسانيّة في تأثير الواقع الدّاخليّة في صورة الواقع الخارجيّ للإنسان؛ بحيث تتمثّل ملامحه الدّخليّة في ملامحه الخارجيّة في الصّورة تارة، وفي النّظرة العامّة لحركته تارة أخرى.

وقد عبّر اللّه عن ذلك بطريقة أخرى في صورة المؤمنين يوم القيامة في النّور الّذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وذلك هو قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وبإزاء هؤلاء نرى المنافقين والمنافقات غارقين في الظّلمة يستجدون النّور من المؤمنين والمؤمنات وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.

وتزداد الصّورة وضوحا في مواجهة الموقف، فيبدو لنا هؤلاء الّذين اسودّت وجوههم، فإذا بنا نلمح في أوضاعهم وتقارير أعمالهم وطبيعة السؤال الإنكاريّ الّذي يوجّه إليهم: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ آل عمران: 106، صورة النّاس الّذين ساروا في خطّ الإيمان فترة من الزّمن، ولكنّهم وقعوا تحت تأثير الضّغوط الذّاتيّة من الشّهوات والأطماع والأضاليل، فانحرفوا عن الخطّ، ثمّ تحوّل انحرافهم إلى مواجهة مضادّة للخطّ نفسه، عند ما فرضت عليهم ذاتيّاتهم أن يقاوموه ليرضى عنهم أولياؤهم من الكافرين والضّالّين ...

وفي هذا إيحاء دقيق من بعيد، بأنّ على الإنسان أن لا يستسلم للثّقة بإيمانه في استرخاء كسول، يؤمن معه بأنّه لا يتزعزع مهما كانت الظّروف والضّغوط، بل ينبغي له أن يحرسه بالفكر والتّأمّل والقراءة والحوار والعمل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت