فهرس الكتاب

الصفحة 2984 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 276

لأنّ الكثيرين من النّاس قد ضلّوا بعد الهدى، وكفروا بعد الإيمان تحت تأثير العوامل السّلبيّة المتنوّعة المحيطة بهم ... فحاق بهم العذاب نتيجة ذلك كلّه، وواجهوا النّداء الحاسم من اللّه: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.

وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فقد عاشوا حياتهم مع اللّه، فإذا فكّروا كان"اللّه"أوّل ما يفكّرون به في عظمة خلقه وكرمه في نعمه، وفي كلّ شي ء يحيط بهم.

وإذا خطّطوا لحياتهم كان"اللّه"هو الّذي يستلهمونه في رسم تلك المخطّطات. وإذا واجهتهم الشّهوات، وقفوا منها وقفة التّوازن الّتي منها ما يبني للإنسان روحه وجسده في ما ينفع الرّوح والجسد، وترفض منها ما يهدم للإنسان كيانه في ما يضرّهما.

أمّا إذا عاشوا مع النّاس، فإنّهم لا يفكّرون بأنفسهم في سجن الأنانيّة، بل ينفتحون على الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للآخرين، كمنطلق لممارسة المسؤوليّة المفروضة عليهم من اللّه، في أن تكون حياتهم خيرا وبركة للآخرين، فلا يصدر منهم أيّ ضرر أو فساد لأيّ إنسان.

وإذا وقفوا مع أنفسهم تذكّروا اللّه قبل ذلك، فعلموا أنّهم عبيد له، وعرفوا أنّ من واجبهم أن يعبدوه حقّ عبادته، ويطيعوه حقّ طاعته، في كلّ ما يستطيعونه، ويقدرون عليه من ذلك ... فكانوا قريبين من اللّه في فكرهم وشعورهم وعملهم، فاستحقّوا رحمته الخالدة الّتي يمنحها للصّالحين والمجاهدين من عباده فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ آل عمران: 107. (6: 206)

مكارم الشّيرازيّ: انّ هاتين الآيتين تشيران- بوضوح- إلى أنّ هناك- في يوم القيامة- نوعين من الوجوه: وجوه مبيضّة نيّرة، ووجوه مسودّة كالحة، ثمّ تعلّلان ذلك البياض، وهذا السّواد، فتردّان سواد الوجوه إلى الكفر والاختلاف، والعودة إلى عادات الجاهليّة، وأخلاقها الشّرّيرة، وبياض الوجوه إلى الثّبات على طريق الإيمان والوحدة.

وبكلمة: إنّ الآيتين تصرّحان بأنّ المنافقين والمتفرّقين بعد ما جاءتهم البيّنات هم المسودّة وجوههم الذّائقون للعذاب الأليم بسبب كفرهم، وأمّا المؤمنون المتآلفون المتحابّون المتّحدون فهم في رحمة اللّه ورضوانه مبيضّة وجوههم.

ولقد قلنا مرارا أنّ ما يلاقيه الإنسان من الأوضاع والحالات، ومن الثّواب والعقاب في الحياة الآخرة ليس في الحقيقة سوى أفكاره وأعماله وتصرّفاته المجسّمة الّتي قام بها في هذه الحياة الدّنيا، فهما وجهان لعملة واحدة، إنّه تجسّم صادق ودقيق لما كان ينويه أو يعمله هنا ليس إلّا.

وبعبارة أخرى: إنّ لكلّ ما يفعله الإنسان في هذه الحياة آثارا واسعة تبقى في روحه، وقد لا تدرك في هذه الحياة، ولكنّها تتجلّى- بعد سلسة من التّحوّلات- في الآخرة، فتظهر بحقائقها الواقعيّة، وحيث إنّ جانب الرّوح يكون أقوى في الآخرة، إذ تشتدّ حاكميّتها وسيادتها على الجانب الآخر من الكيان البشريّ من هنا يكون لتلك الآثار انعكاساتها حتّى على الجسد، فتبدو الآثار المعنويّة للأعمال محسوسة كما يكون الجسد محسوسا لكلّ أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت