المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 280
الآلوسيّ: [نحو ما تقدّم عن أبي حيّان وأضاف:]
وأخرج ابن المنذر عن ابن عبّاس وهو وغيره عن ابن جبير، وابن أبي حاتم، وابن جرير عن السّدّيّ: أنّ البيض المكنون: ما تحت القشر الصّلب، بينه وبين اللّباب الأصفر. والمراد تشبيههنّ بذلك بعد الطّبخ في النّعومة والطّراوة، فالبيضة إذا طبخت وقشّرت ظهر ما تحت القشرة على أتمّ نعومة وأكمل طراوة، ومن هنا تسمع العامّة يقولون في مدح المرأة: كأنّها بيضة مقشّرة.
ورجّح ذلك الطّبريّ بأنّ الوصف ب (مكنون) يقتضيه دون المشهور، لأنّ خارج قشر البيضة ليس بمكنون.
وفيه: أنّ المتبادر من البيض مجموع القشر وما فيه،"و أكلت كذا بيضة"، الأكل فيه قرينة إرادة ما في القشر دون المجموع، إذ لا يؤكل عادة، وحينئذ لا يتمّ ما قاله الطّبريّ، فالأوّل هو المقبول، ومعنى المكنون فيه ظاهر على ما سمعت.
وقد نقل الخفاجيّ هذا المعنى عن بعض المتأخّرين، وتعقّبه بأنّه ناشئ من عدم معرفة كلام العرب، وكأنّه لم يقف على روايته عن الحبر ومن معه، وإلّا لا يتسنّى له ما قال. ولعلّ الرّواية المذكورة غير ثابتة، وكذا ما حكاه أبو حيّان عن الحبر: من أنّ البيض المكنون: الجوهر المصون، لنبوّ ظاهر اللّفظ عن ذلك.
وقالت فرقة: المراد تشبيههنّ بالبيض في تناسب الأجزاء، والبيضة أشدّ الأشياء تناسب أجزاء، والتّناسب ممدوح. [ثمّ استشهد بشعر]
وأنت تعلم بعد فرض تسليم، أنّ تناسب الأجزاء في البيضة معروف بينهم، أنّ الوصف ب"المكنون"ممّا لا يظهر له دخل في التّشبيه، واستشكل التّشبيه على ما تقدّم بآية عروس القرآن: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ الرّحمن: 58، فإنّها ظاهرة في أنّ ألوانهنّ حمرة، وأين هذا من التّشبيه ب"البيض المكنون"على ما سمعت قبل، فيتعيّن أن يراد التّشبيه من حيث النّعومة والطّراوة، كما روي ثانيا، أو من حيث تناسب الأجزاء كما قيل أخيرا.
وأجيب بأنّه يجوز أن يكون المشبّهات ب"البيض المكنون"غير المشبّهات ب (الياقوت والمرجان) ، وكون البياض المشوب بالصّفرة أحسن الألوان في النّساء، غير مسلّم، بل هو حسن، ومثله في الحسن البياض المشوب بحمرة، على أنّ الأحسنيّة تختلف باختلاف طباع الرّائين."و للنّاس فيما يعشقون مذاهب"، والجنّة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين.
وقيل: يجوز أن يكون تشبيههنّ ب"البيض المكنون"بالنّظر إلى بياض أبدانهنّ، المشوب بصفرة، ما عدا وجوههنّ، وتشبيههنّ ب (الياقوت والمرجان) بالنّظر إلى بياض وجوههنّ المشوب بحمرة.
وقيل: تشبيههنّ بهذا ليس من جهة أنّ بياضهنّ مشوب بحمرة، بل تشبيههنّ ب (الياقوت) من حيث الصّفاء، وب (المرجان) من حيث الإملاس وجمال المنظر. وإذا أريد ب (المرجان) الدّرر الصّغار- كما ذهب إليه جمع- دون الخرز الأحمر المعروف، يجوز أن يكون