فهرس الكتاب

الصفحة 2997 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 289

يعبّر بهما عن كلّ الألوان، لأنّهما طرفاها والباقي متوسّط بينهما، ومزيج منهما بتقادير محدودة ونسب معيّنة.

ويقول المثل الفارسيّ:"از سفيدي نمك تا سياهى زغال":"يعني من بياض الملح إلى سواد الفحم"، أي من كلّ لون من الألوان، ومن كلّ شي ء.

3 -غَرابِيبُ سُودٌ، أي شديدة السّواد، فإنّها جمع"غربيب"كعفريت، يقال: أسود غربيب، أي شديد السّواد، يشبه لونه لون الغراب. وهذا إمّا عطف على (بيض) ، فالمعنى أنّ الجبال ذات جدد بيض وحمر وسود، فهو داخل في مختلف ألوانها. أو عطف على (جدد) ، فلا يكون داخلا في تفاصيل (جدد) ، بل يكون قسيمها، كأنّه قيل: ومن الجبال مخطّط ذو جدد بيض وحمر وما بينهما من الألوان، ومنها ما هو على لون واحد شديد السّواد، فيكون وصفا للجبال نفسها لا للجدد الواقعة فيها، وهذا بعيد كما يأتي.

4 -ما هو السّرّ في توسّط"مُخْتَلِفًا أَلْوانُها"بين (البيض والحمر) وبين"غَرابِيبُ سُودٌ"، مع أنّ سوق الكلام يقتضي تقديمه على الجميع أو تأخيره عنها؟

كقوله: ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها، في صدر الآية ومُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ في آية بعدها؟

والجواب: بناء على كون (غَرابِيبُ سُودٌ) عطفا على (بيض) ، فيشملها (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها) ، والوجه في تأخيرها رعاية الرّويّ مهما أمكن، فالرّويّ في آيات قبلها (النّور) ، (الحرور) ، (القبور) ، (نذير) ، (المنير) ، (نكير) ، وبعدها (غفور) ، (تبور) ، (شكور) ، (بصير) ... ومثله كثير في القرآن.

أمّا بناء على عطفها على (جدد) فيفيد أنّ السّواد لون واحد، والبياض والحمار فلهما مراتب، فتتشعّب منهما ألوان مختلفة، ولكنّه بعيد؛ إذ (غرابيب سود) نفسها تشعر باختلاف مراتب السّواد، فالأوّل أقرب.

5 -إنّ اللّه تعالى ركّز في هذه الآيات اختلاف ألوان الجبال والثّمرات والنّاس والذّوات والأنعام، كما ركّز اختلاف ألسنة النّاس وألوانهم في (الرّوم: 23) ، واختلاف ألوان الشّراب الّذي يخرج من بطون النّحل في (النّحل: 13) ، واختلاف ألوان ما يخرج من الأرض في (الزّمر: 21) ، و (النّحل: 13) ، برهانا على عظم قدرة اللّه، لأنّ اختلافها مع وحدة طبيعتها يحكي نفوذ إرادة اللّه فيها. أو هو تركيز لأسرارها الخفيّة الّتي لمّا تنكشف للنّاس، لاحظ آيات اختلاف اللّيل والنّهار واختلاف الألسنة ونحوها. ويصرّح بذلك قوله: صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ الرّعد: 4، لاحظ"خ ل ف".

رابعا: جاء الاسم"بيض"مرّة في (12) ، وهو جمع مفرده"بيضة"، أو اسم جنس واحده"بيضة"، وفيه بحوث:

1 -اختلف الأقوال في المراد به وفي وجه الشّبه، ومهما كان فلا بدّ من مناسبته لما قبله في هذه الآية والآيات قبلها، فهي وصف لما عند عباد اللّه المخلصين في جنّات النّعيم من رغد العيش وخصب الحياة. ومنها: أنّ عندهم أزواجا آنسات (قاصرات الطّرف) ، وهي كناية إمّا عن عفّتهنّ، فإنّهنّ يقصرن طرفهنّ على أزواجهنّ، ولا ينظرن إلى غيرهم. أو عن نجابتهنّ وحيائهنّ، فلا يفتحن أعينهنّ دلالا وغنجا وفتنة، بل يغضضنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت