فهرس الكتاب

الصفحة 3018 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 310

ابن شهرآشوب: قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ النّساء:

29، يدلّان على جواز بيع الأعيان الغائبة إذا علمت، وجواز بيع الأعمى وشرائه، ويدخل فيه أيضا المبيع إذا استثني منه شي ء معيّن كالشّاة إلّا جلدها أو الشّجر إلّا شجرة الفلانيّة. ويدلّان على أنّه إذا فرّق بين الصّغير وبين أمّه لم يبطل البيع، والأصل جوازه، وبطلانه يحتاج إلى دليل. (2: 212)

الفخر الرّازيّ: في الآية سؤال، وهو أنّه لم لم يقل:

إنّما الرّبا مثل البيع؟ وذلك لأنّ حلّ البيع متّفق عليه، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الرّبا، ومن حقّ القياس أن يشبه محلّ الخلاف بمحلّ الوفاق، فكان نظم الآية أن يقال: إنّما الرّبا مثل البيع، فما الحكمة في أن قلب هذه القضيّة؟

فقال: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا.

والجواب: أنّه لم يكن مقصود القوم أن يتمسّكوا بنظم القياس، بل كان غرضهم أنّ الرّبا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة، فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحلّ، والثّاني بالحرمة، وعلى هذا التّقدير فأيّهما قدّم أو أخّر جاز.

أمّا قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفّار، والمعنى أنّهم قالوا: البيع مثل الرّبا، ثمّ إنّكم تقولون: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فكيف يعقل هذا؟ يعني أنّهما لمّا كانا متماثلين فلو حلّ أحدهما وحرّم الآخر لكان ذلك إيقاعا للتّفرقة بين المثلين، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم، فقوله: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ذكره الكفّار على سبيل الاستبعاد. وأمّا أكثر المفسّرين فقد اتّفقوا على أنّ كلام الكفّار انقطع عند قوله: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، وأمّا قوله: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فهو كلام اللّه تعالى، ونصّه على هذا الفرق ذكره إبطالا لقول الكفّار: إنّما البيع مثل الرّبا.

والحجّة على صحّة هذا القول وجوه:

الحجّة الأولى: أنّ قول من قال: هذا كلام الكفّار، لا يتمّ إلّا بإضمار زيادات، بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار. أو يحمل ذلك على الرّواية من قول المسلمين، ومعلوم أنّ الإضمار خلاف الأصل. وأمّا إذا جعلناه كلام اللّه ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار، فكان ذلك أولى.

الحجّة الثّانية: أنّ المسلمين أبدا كانوا متمسّكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية، ولو لا أنّهم علموا أنّ ذلك كلام اللّه لا كلام الكفّار، وإلّا لما جاز لهم أن يستدلّوا به، وفي هذه الحجّة كلام سيأتي في المسألة الثّانية.

الحجّة الثّالثة: أنّه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فظاهر هذا الكلام يقتضي أنّهم لمّا تمسّكوا بتلك الشّبهة، وهي قوله: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فاللّه تعالى قد كشف عن فساد تلك الشّبهة وعن ضعفها، ولو لم يكن قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا كلام اللّه لم يكن جواب تلك الشّبهة مذكورا، فلم يكن قوله:

فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ لائقا بهذا الموضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت