فهرس الكتاب

الصفحة 3019 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 311

المسألة الثّانية: مذهب الشّافعيّ رضي اللّه عنه أنّ قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا من المجملات الّتي لا يجوز التّمسّك بها. وهذا هو المختار عندي، ويدلّ عليه وجوه:

الأوّل: أنّا بيّنّا في أصول الفقه أنّ الاسم المفرد المحلّى بلام التّعريف لا يفيد العموم ألبتّة، بل ليس فيه إلّا تعريف الماهيّة، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمة في صورة واحدة.

والوجه الثّاني: وهو أنّا إذا سلّمنا أنّه يفيد العموم، ولكنّا لا نشكّ أنّ إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم، مثلا قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وإن أفاد الاستغراق إلّا أنّ قوله: (و أحلّ اللّه البياعات) أقوى في إفادة الاستغراق، فثبت أنّ قول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ لا يفيد الاستغراق إلّا إفادة ضعيفة، ثمّ تقدير العموم لا بدّ وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضّبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام اللّه تعالى وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنّه كذب والكذب على اللّه تعالى محال. فأمّا العامّ الّذي يكون موضع التّخصيص منه قليلا جدّا، فذلك جائز لأنّ إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب، فثبت أنّ حمل هذا على العموم غير جائز.

الوجه الثّالث: ما روي عن عمر رضي اللّه عنه، قال:

خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الدّنيا وما سألناه عن الرّبا، ولو كان هذا اللّفظ مفيدا للعموم لما قال ذلك، فعلمنا أنّ هذه الآية من المجملات.

الوجه الرّابع: أنّ قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يقتضي أن يكون كلّ بيع حلالا، وقوله: وَحَرَّمَ الرِّبا يقتضي أن يكون كلّ ربا حراما، لأنّ الرّبا هو الزّيادة، ولا بيع إلّا ويقصد به الزّيادة، فأوّل الآية أباح جميع البيوع، وآخرها حرّم الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، فكانت مجملة، فوجب الرّجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم. (7: 98)

نحوه النّيسابوريّ. (7: 75)

القرطبيّ: قوله تعالى: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي إنّما الزّيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثّمن في أوّل العقد؛ وذلك أنّ العرب كانت لا تعرف ربا إلّا ذلك، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم: إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي، أي تزيد في الدّين. فحرّم اللّه سبحانه ذلك، وردّ عليهم قولهم بقوله الحقّ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وأوضح أنّ الأجل إذا حلّ ولم يكن عنده ما يؤدّي أنظر إلى الميسرة.

وهذا الرّبا هو الّذي نسخه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله يوم عرفة، لمّا قال:"ألا إنّ كلّ ربا موضوع وإنّ أوّل ربا أضعه ربانا ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه".

فبدأ صلّى اللّه عليه وسلّم بعمّه وأخصّ النّاس به. وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصّته فيستفيض حينئذ في النّاس.

وقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا هذا من عموم القرآن، والألف واللّام للجنس لا للعهد؛ إذ لم يتقدّم بيع مذكور يرجع إليه، كما قال تعالى:

وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ العصر: 1، ثمّ استثنى إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ العصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت