فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 314
محمّد جواد مغنيّة:"ذلك"إشارة إلى استحلالهم للرّبا، وقد فلسفوه بأنّ البيع والرّبا متماثلان من جميع الوجوه، فكيف يكون البيع حلالا دون الرّبا؟ أليس للإنسان أن يبيع ما يساوي خمسة دراهم بستّة، وأن يبيع ما يساوي درهما معجّلا بدرهمين مؤجّلين؟ إذن، ينبغي أن يسمح له بإعطاء عشرة دراهم بأحد عشر إلى شهر، والفرق تحكّم في نظر العقل.
وردّ اللّه سبحانه هذا الزّعم بقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ووجه الرّدّ أنّ مجرّد تماثلهما في الظّاهر لا يستدعي أن يكونا كذلك في الواقع، فإنّ البيع عمليّة تجاريّة نافعة، والبائع يقوم بدور الوسيط بين المنتج والمستهلك، فيكون ربحه عوضا عن أتعابه، وليس أكلا للمال بالباطل. أمّا الرّبا فهو استغلال محض، وأخذ للزّيادة من غير مقابل، فيكون أكلا للمال بالباطل؛ ومن أجل هذا أحلّ اللّه البيع، وحرّم الرّبا، فاختلافهما حكما عند اللّه دليل على اختلافهما واقعا، وكذلك العكس.
الصّابونيّ: تشبيه لطيف يسمّى"التشبيه المقلوب"وهو أعلى مراتب التّشبيه؛ حيث يصبح المشبّه مشبّها به، مثل قولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفّه ... [ثمّ استشهد بشعر]
ومقصودهم تشبيه الرّبا بالبيع المتّفق على حلّه، ولكنّه بلغ اعتقادهم في حلّ الرّبا، أنّهم جعلوه أصلا وقانونا في الحلّ، حتّى شبّهوا به البيع، فتدبّره فإنّه دقيق.
الطّباطبائيّ: قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا قد تقدّم الوجه في تشبيه البيع بالرّبا دون العكس، بأن يقال: إنّما الرّبا مثل البيع. فإنّ من استقرّ به الخبط والاختلال كان واقفا في موقف خارج عن العادة المستقيمة، والمعروف عند العقلاء والمنكر عندهم سيّان عنده، فإذا أمرته بترك ما يأتيه من المنكر والرّجوع إلى المعروف أجابك- لو أجاب- أنّ الّذي تأمرني به كالّذي تنهاني عنه لا مزيّة له عليه، ولو قال: إنّ الّذي تنهاني عنه كالّذي تأمرني به كان عاقلا غير مختلّ الإدراك. فإنّ معنى هذا القول: أنّه يسلم أنّ الّذي يؤمر به أصل ذو مزيّة يجب اتّباعه، لكنّه يدّعي أنّ الّذي ينهي عنه ذو مزيّة مثله، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزيّة وإهماله كما يراه الممسوس. وهذا هو قول المرابيّ المستقرّ في نفسه الخبط: إنّما البيع مثل الرّبا، ولو أنّه قال: أنّ الرّبا مثل البيع، لكان رادّا على اللّه، جاحدا للشّريعة، لا خابطا كالممسوس.
والظّاهر أنّ قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا حكاية لحالهم النّاطق بذلك وإن لم يكونوا قالوا ذلك بألسنتهم، وهذا السّياق أعني حكاية الحال بالقول، معروف عند النّاس.
وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أنّ المراد بقولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا نظمهما في سلك واحد، وإنّما قلبوا التّشبيه وجعلوا الرّبا أصلا، وشبّهوا به البيع للمبالغة. [ثمّ استشهد بشعر]
وكذا فساد ما ذكره آخرون: أنّه يجوز أن يكون التّشبيه غير مقلوب بناء على ما فهموه: أنّ البيع إنّما حلّ لأجل الكسب والفائدة؛ وذلك في الرّبا متحقّق وفي غيره