المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 324
ثالثها: إنّما قلّبوا التّشبيه خبطا لاختلال عقولهم بالإفراط في أكل الرّبا، لاحظ النّصوص.
3 -ظاهر السّياق أنّ قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، كلام مستأنف من اللّه وإجابة عن شبهتهم، وعليه أكثر المفسّرين. وقيل: إنّه من تتمّة كلام المشركين، سيق مساق جملة حاليّة، أي أنّهم قالوا:
البيع والرّبا سيّان، فكيف تقولون: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، ولا يليق التّفريق بين المثلين في الحكم بحكمة الحكيم؟ فهذا استبعاد منهم.
وقد أبطله الفخر الرّازيّ بحجج، أقواها أنّه بناء على ذلك سكت اللّه عن جوابهم، مع أنّ ذيل الآية فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ... ، يدلّ على أنّه قد كشف عن فساد شبهتهم، فلاحظ.
4 -هناك بحث بينهم: هل الآية مجملة أو عامّة، ولكلّ حجّة، لاحظ النّصوص ولا سيّما نصّ الفخر الرّازيّ.
5 -رتّبوا صورة القياس في إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا بأنّه يجوز بيع درهم بدرهمين، كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين، فقاسوا الأوّل على الثّاني، وأجابوا بأنّ من باع مثلا ثوبا يساوي درهما بدرهمين، فقد جعل الثّوب مقابلا لدرهمين، فلا شي ء منه إلّا وفي مقابله شي ء من الثّوب، وإذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدّرهم الزّائد بغير عوض. ولو قيل: إنّ الإمهال عوض، يقال: إنّ الإمهال ليس مالا حتّى يكون في مقابله المال.
والحقّ أنّه لا بدّ من الفرق بين الرّبا في المعاملة والرّبا في القرض، ولكلّ منهما وجه معقول في السّوق العالميّ، فالمدّة في القرض يحاسب عليها، كما أنّ وصف السّلعة يتفاوت إذا كان من جنس واحد، والعقلاء يقدّرون لكلّ من الجيّد والرّدي ء قسطا من الثّمن.
أمّا الإسلام فقد نهى عن الرّبا في القرض لمصالح اجتماعيّة أخلاقيّة، لا لمصالح اقتصاديّة إلّا تبعا، وأمّا في المعاملات فلعلّه لفقد معيار منضبط للجيّد والرّدي ء.
ولا تزال مسألة الرّبا محطّ البحث والنّظر بين علماء الاقتصاد المسلمين، وقد عثروا على مفرّ منه في البنوك والمصارف، فأسّسوا البنوك الإسلاميّة.
6 -جاء في (8) : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ، التّجارة عامّة تشمل البيع، فما وجه الإتيان بها؟
لقد ذكروا لها وجوها:
أحدها: التّجارة جلب المتاع من خارج البلد، والبيع تبديله في الدّاخل، ولكلّ معناه.
ثانيها: المراد بالتّجارة: الشّراء مقابل البيع، والبيع تبديل العرض بالنّقد، والشّراء عكسه، والرّغبة في تحصيل النّقد أكثر.
ثالثها: التّجارة تشمل البيع، وخصّ البيع بالذّكر- وهو من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ- لأنّ الرّبح في البيع يقينيّ وفي التّجارة متوقّع، فعدم إلهاء التّجارة لا يستلزم عدم إلهاء البيع الرّابح بالفعل، ولذلك كرّر"لا"للتّرقّي من الأمر المحتمل إلى الأمر اليقينيّ.
رابعها: ما قاله الطّباطبائيّ: بأنّ التّجارة إذا قوبلت بالبيع كان المفهوم منها بحسب العرف الاستمرار في الاكتساب بالبيع والشّراء، والفرق بينهما هو الدّفعة والاستمرار. فمعنى نفي البيع- وهو أمر دفعيّ- بعد نفي