المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 460
الآيات المتقدّمة عليها. وهذه الحجّة لا تقاوم تلك الآيات المماثلة لها الّتي تفسّرها.
ووصف القرآن في (3) بأنّ على اللّه بيانه بعد أن كان عليه جمعه وقرآنه، فاختلف سياق الآيتين، ففي (1) القرآن نفسه بيان، وفي (3) بيان القرآن على اللّه. وبيان اللّه للقرآن إمّا خلال الآيات القرآنيّة، أو بوحي إلى النّبيّ، فينعكس على سنّته وعلى لسان عترته حسب حديث الثّقلين، لاحظ"ق ر أ".
ثانيا: قال البغويّ:"البيان هو الدّلالة الّتي تفيد إزالة الشّبهة بعد أن كانت حاصلة". وهذا يوافق ما سبق أن أفدناه أنّ مادّة"البيان"هو الوضوح بعد الخفاء، والانكشاف بعد الاشتباه، لا مطلق الوضوح والانكشاف.
ثالثا: الآية (2) تتمّة ما قبلها: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ الرّحمن: 1 - 4، واختلف في تفسير"البيان"على أقوال أحصاها الرّاونديّ ثمانية، بعضها تأويل، أو تخصيص للجنس بفرد. والّذي يفيده السّياق أنّ الإنسان هنا- كعامّة الآيات- جنس البشر، و"البيان"هو ما اختصّ به من النّطق باللّسان الّذي يمتاز به عن سائر الحيوانات، لاحظ"الإنسان"في (3: 878) من"المعجم".
رابعا: قوله: عَلَّمَهُ الْبَيانَ جملة مستقلّه عمّا قبلها، وهي غير مرتبطة في نفسها بالقرآن، بخلاف (1) و (3) ، فإنّهما جاءتا- كما سبق- في شأن القرآن. بيد أنّ (2) جاءت تلو الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ، والإنسان هو الّذي علّمه اللّه الرّحمن- أي حسب رحمته الواسعة- القرآن. كما جاءت خَلَقَ الْإِنْسانَ واسطة بين الجملتين، فترمز الجمل الثّلاث حسب ترتيبها إلى أنّ تعليم القرآن- وبالتّالي العمل به- هو الهدف الأصليّ لخلق الإنسان ولتعليمه البيان؛ وذلك أنّ القرآن ينظّم برنامج حياته إلى منتهى سيره المادّيّ والرّوحيّ، ولا يصل الإنسان إلى غايته الّتي خلق لأجلها إلّا بالقرآن.
وظهر بذلك أنّ لهذه الآية مساسا للقرآن أيضا، لا يقلّ عن الآيتين (1) و (3) . ويترتّب عليه أنّ الإنسان إذا بلغ ذروة كماله، لا يجري على بيانه ولسانه إلّا فيما تعلّمه من القرآن، ففيه منتهى الكمال، ونهاية المطاف.
خامسا: جاء"التّبيان"مرّة في القرآن خلال الآية (4) ، وهو مصدر"بيّن"، كالتّذكار مصدر"ذكّر". وقيل:
إنّه اسم لا مصدر، فإنّ المصدر بفتح التّاء مثل: تعداد.
ونقول: سواء كان اسما أم مصدرا فهو هنا وصف نظير"زيد عدل"كالمبيّن تماما. وقد سبق البحث في"بيّن"أنّه جاء لازما مثل: بان وأبان واستبان، أي ظهر، وجاء متعدّيا بمعنى الكشف والإظهار والبيان مع شي ء من التّأكيد الّذي هو من معاني باب"التّفعيل". وعليه فمعنى الآية أنّ القرآن فيه بيان واف لكلّ شي ء ممّا يحتاج إليه الإنسان شريعة ومنهاجا كالآتي.
سادسا: الظّاهر أنّ المراد كون القرآن بيانا لكلّ شي ء من أمر الدّين والدّنيا الّذي لا يعلم إلّا بالوحي، وإليه يرمز كثير من النّصوص التّفسيريّة. وقد بالغ بعض العرفاء بقوله: إنّ فيه كلّ شي ء يفهم بطريقة علم الحروف وشي ء من الرّموز. وهذا لم يثبت عندنا