فهرس الكتاب

الصفحة 3203 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 495

وثانيها: كلّ واحد منهما إخبار، ولكن أراد بالأوّل هلاك عمله، وبالثّاني هلاك نفسه. ووجهه أنّ المرء إنّما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر اللّه تعالى أنّه محروم من الأمرين.

وثالثها: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني ماله، ومنه يقال: ذات اليد، (و تبّ) هو بنفسه، كما يقال: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ الشّورى: 45، وهو قول أبي مسلم.

ورابعها: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني نفسه، (و تبّ) يعني ولده عتبة، على ما روي أنّ عتبة بن أبي لهب خرج إلى الشّام مع أناس من قريش، فلمّا همّوا أن يرجعوا قال لهم عتبة: بلّغوا محمّدا عنّي أنّي قد كفرت بالنّجم إذا هوى.

وروي أنّه قال ذلك في وجه رسول اللّه، وتفل في وجهه، وكان مبالغا في عداوته، فقال:"اللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك". فوقع الرّعب في قلب عتبة، وكان يحترز. فسار ليلة من اللّيالي فلمّا كان قريبا من الصّبح، فقال له أصحابه: هلكت الرّكاب، فما زالوا به حتّى نزل وهو مرعوب، وأناخ الإبل حوله كالسّرادق، فسلّط اللّه عليه الأسد وألقى السّكينة على الإبل، فجعل الأسد يتخلّل حتّى افترسه ومزّقه.

فإن قيل: نزول هذه السّورة كان قبل هذه الواقعة، وقوله: (و تبّ) إخبار عن الماضي، فكيف يحمل عليه؟

قلنا: لأنّه كان في معلومه تعالى أنّه يحصل ذلك.

خامسها: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ حيث لم يعرف حقّ ربّه، (و تبّ) حيث لم يعرف حقّ رسوله.

نحوه الخازن (7: 263) ، والبروسويّ (10: 532) .

الآلوسيّ: [بعد بيان شأن نزول الآية قال:]

فاليدان على المعنى المعروف، والكلام دعاء بهلاكهما. وقوله سبحانه: (و تبّ) دعاء بهلاك كلّه، وجوّز أن يكونا إخبارين بهلاك ذينك الأمرين. والتّعبير بالماضي في الموضعين لتحقّق الوقوع.

وقال الفرّاء: الأوّل دعاء بهلاك جملته، على أنّ"اليدين"إمّا كناية عن الذّات والنّفس لما بينهما من اللّزوم في الجملة، أو مجاز من إطلاق الجزء على الكلّ، كما قال محيي السّنّة. والقول في ردّه أنّه يشترط أن يكون الكلّ يعدم بعدمه كالرّأس والرّقبة؛ واليد ليست كذلك، غير مسلّم، لتصريح فحول بخلافه هنا وفي قوله تعالى:

وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: 195، أو المراد على ما قيل بذلك: الشّرط يعدم حقيقة أو حكما، كما في إطلاق العين على الرّبيئة واليد على المعطي أو المتعاطي لبعض الأفعال. فإنّ الذّات- من حيث اتّصافها بما قصد اتّصافها به- تعدم بعدم ذلك العضو.

والثّاني إخبار بالحصول، أي وكان ذلك وحصل.

[ثمّ استشهد بشعر]

واستظهر أنّ هذه الجملة حاليّة"و قد"مقدّرة على المشهور، كما قرأ به ابن مسعود، وفي الصّحيحين وغيرهما من حديث ابن عبّاس في سبب النّزول، فنزلت هذه السّورة (تبّت يدا ابى لهب وقد تبّ) . وعلى هذه القراءة يمتنع أن يكون ذلك دعاء، لأنّ"قد"لا تدخل على أفعال الدّعاء.

وقيل: الأوّل إخبار عن هلاك عمله؛ حيث لم يفده ولم ينفعه، لأنّ الأعمال تزاول بالأيدي غالبا، والثّاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت