المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 500
متقاربة، وليست كذلك. وعندنا أنّ منشأ الخلاف- بعد الوفاق على نزولها في أبي لهب- هو الاختلاف في شأن النّزول:
أ- فمن قال: إنّ النّبيّ لمّا جمع أقرباءه- وفيهم عمّه أبو لهب- ودعاهم إلى الإسلام، قال له أبو لهب:"تبّا لك"، أو"تبّا لك وتعسا"، فنزلت جوابا له بلفظه، فهو من قبيل وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران: 54، وإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ البقرة: 14، 15.
فمعنى التّباب فيها هو ما أراده أبو لهب بقوله:"تبّا"، وهو هلاك النّبيّ، ويؤيّده قوله:"و تعسا"، أو خيبته في نيل أمنيّته، وهي انتشار دعوته، وعليه فلا مجال للخسران.
ب- ومن قال: إنّ أبا لهب كان يتوقّع أن يفضّله الإسلام على غيره، فيحتفظ بمقامه وجاهه بين النّاس ورفضه النّبيّ، فقال:"تبّا لهذا من دين"، أي أنّ هذا الدّين خسارة لي؛ حيث يسلب منّي ما أمتاز به، ويجعلني وهؤلاء سواء. فلم يكن كلامه دعاء على النّبيّ، بل كان هتافا ضدّ الإسلام، ولهذا كرّره كما هو المعمول في الهتافات، أي بئس الدّين الإسلام، بئس.
وعليه فاللّه يقابله بهتاف مثله مع التّكرار، بأنّ الخسران لأبي لهب فيما كسبته يداه من المال والجاه، والخسران له في نفسه. فليست الآية خبرا عن مستقبله ولا دعاء عليه، وإنّما هي هتاف بخسرانه. وهذا الوجه لم يصرّحوا به فيما ذكروه من الوجوه، مع أنّه يكاد يكون أقربها إلى الصّواب.
ج- وإليه يرجع القول بأنّ أبا لهب- وكان كبير القوم- كان يقول للّذين أتوه وسألوه عن النّبيّ: إنّه كذّاب ساحر، فيرجعون عنه، حتّى أتاه وفد فأعاد عليهم كلامه، فقالوا: لا ننصرف حتّى نسمع كلام محمّد، فقال لهم: إنّا لم نزل نعالجه من الجنون، فتبّا له وتعسا.
فهذا أشبه بالهتاف من الدّعاء عليه أو الخبر عنه.
د- ومن قال: إنّ النّبيّ لمّا دعا بني عبد المطّلب فاجتمعوا عنده، قال لهم: إنّ اللّه بعثني إلى النّاس عامّة وإليكم خاصّة، وأن أعرض عليكم ما إن قبلتموه ملكتم به العرب والعجم. قالوا: وما ذاك يا محمّد؟ قال: أن تقولوا: لا إله إلّا اللّه وإنّي رسول اللّه. فقال أبو لهب: تبّا لهذا من دين، أي أنّ هذا الدّين مخفق خائب، لا ينجح في القضاء على الآلهة، ولا ينال به بنو عبد المطّلب ملك العرب والعجم.
فهذا أقرب إلى الخبر عن مستقبل هذا الدّين بالخيبة، عمّا وعدهم النّبيّ، فنزلت الآية تكذيبا لأبي لهب بأنّه هو الخائب بنفسه وبما كسبت يداه، لا هذا الدّين، فجابهه اللّه بأشدّ ممّا قاله؛ حيث عمّم خيبته وإخفاقه على نفسه، وما كسبته يداه.
ه- ومن قال: إنّ أبا لهب أخذ حجرا ليرمي به رسول اللّه؛ إذ إنّه كان حين يصرّ الوفد على لقاء النّبيّ يضرب بيده على كتف الوافد، ويقول له: انصرف راشدا فإنّه مجنون، فنزلت إعلاما بأنّه خاسر في ما أراد من صرف النّاس عنه، وخسرت يداه في ما كسب بهما، فهذا خبر عنه، أو دعاء عليه، مجابهة لما عمله لا لما قاله.
و- إلى هذا يذهب من قال بأنّ"اليد"بمعنى النّعمة- وهو أبعد الوجوه- لأنّ أبا لهب كان يحسن إلى النّبيّ وإلى قريش، وكان يقول: إن كان الأمر لمحمّد فلي عنده يد،