فهرس الكتاب

الصفحة 3240 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 532

تعالى، وإجنابه من عبادة الأصنام.

ومن الدّليل على كون المراد بالاتّباع هو سلوك سبيله، قوله في ما يعادله من كلامه: (و من عصانى) فإنّه نسب العصيان إلى نفسه ولم يقل: ومن كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحقّ ونحو ذلك، كما لم يقل: فمن آمن بك أو أطاعك أو اتّقاك وما أشبهه.

فمراده باتّباعه: سلوك طريقه والتّديّن بجميع ما أتى به من الاعتقاد والعمل، وبعصيانه: ترك سيرته وما أتى به من الشّريعة اعتقادا وعملا، كأنّه عليه السّلام يقول: من تبعني وعمل بشريعتي وسار بسيرتي فإنّه ملحق بي ومن أبنائي تنزيلا أسألك أن تجنبني وإيّاه أن نعبد الأصنام، ومن عصاني بترك طريقتي كلّها أو بعضها سواء كان من بنيّ أو غيرهم، فلا ألحقه بنفسي ولا أسألك إجنابه وإبعاده بل أخلّي بينه وبين مغفرتك ورحمتك.

ومن هنا يظهر أوّلا أنّ قوله عليه السّلام: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تفسير لقوله:

وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ إبراهيم: 35، بالتّصرّف في البنين تعميما وتخصيصا فهو كتعميم البنين لكلّ من تبعه من جهة وتخصيصه بالعاصين له منهم من جهة أخرى، فليسوا منه ولا ملحقين به، وبالجملة هو عليه السّلام يلحق الّذين اتّبعوه من بعده بنفسه، وأمّا غير متّبعيه فيخلّي بينهم وبين ربّهم الغفور الرّحيم، كما قال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا آل عمران: 68.

وهذه التّوسعة والتّضييق منه عليه السّلام نظير مجموع ما وقع منه ومن ربّه في الفقرة الأخرى من دعائه، على ما يحكيه آية البقرة: 126 وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ حيث سأل الرّزق أوّلا لأهل البلد، ثمّ خصّه لمن آمن منهم، فعمّمه اللّه سبحانه بقوله: (و من كفر) ثانيا.

وثانيا: أنّ من الممكن أن يستفاد من قوله عليه السّلام فيمن تبعه:"إنّه منّي"وسكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه وبنيه أنّ ذلك تبنّ منه لكلّ من تبعه وإلحاق له بنفسه، ونفي لكلّ من عصاه عن نفسه وإن كان من بنيه بالولادة، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السّكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة السّكوت في النّفي.

ولا إشكال في ذلك بعد ظهور الدّليل، فإنّ الولادة الطّبيعيّة لا يجب أن تكون هي الملاك في النّسب إثباتا ونفيا، ولا تجد واحدة من الأمم يقتصرون في النّسب إثباتا ونفيا على مجرّد الولادة الطّبيعيّة بل لا يزالون يتصرّفون بالتّوسعة والتّضييق. وللإسلام أيضا تصرّفات في ذلك كنفي الدّعيّ والمولود من الزّنى، والكافر والمرتدّ، وإلحاق الرّضيع والمولود على الفراش إلى غير ذلك، وفي كلامه تعالى في ابن نوح: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ هود: 46.

وثالثا: أنّه عليه السّلام وإن لم يسأل المغفرة والرّحمة صريحا لمن عصاه، وإنّما عرضهم للمغفرة والرّحمة بقوله:

وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لكنّه لا يخلو عن إيماء مّا إلى الطّلب لمن ترك طريقته وسيرته الّتي تعدّ الإنسان للرّحمة الإلهيّة بحفظه من عبادة الأصنام، وهذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول الرّحمة وإن لم يكن مقتضيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت