فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 536
يكون في ظنّه أنّه متّبع للهدى. فأمّا الّذين يعلمون بقلوبهم، ثمّ ينكرون بألسنتهم، فهم المتّبعون للهوى.
وثانيها: أنّ ما قبل هذه الآية وهو قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ لا يتناول عوامّهم، بل هو مختصّ بالعلماء، وما بعدها وهو قوله:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ البقرة: 146، مختصّ بالعلماء أيضا؛ إذ لو كان عامّا في الكلّ امتنع الكتمان، لأنّ الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصّا فكذا هذه الآية المتوسّطة.
وثالثها: أنّ اللّه تعالى أخبر عنهم بأنّهم مصرّون على قولهم، ومستمرّون على باطلهم، وأنّهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شي ء من الدّلائل والآيات.
وهذا شأن المعاند اللّجوج، لا شأن المعاند المتحيّر.
ورابعها: أنّا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذبا، لأنّ كثيرا من أهل الكتاب آمن بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وتبع قبلته.
وقال آخرون: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنّصارى. واحتجّوا عليه بأنّ قوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ صيغة عموم فيتناول الكلّ.
ثمّ أجابوا عن الحجّة الأولى أنّ صاحب الشّبهة صاحب هوى في الحقيقة، لأنّه ما تمّم النّظر والاستدلال، فإنّه لو أتى بتمام النّظر والاستدلال لوصل إلى الحقّ؛ فحيث لم يصل، علمنا أنّه ترك التّامّ بمجرّد الهوى.
وأجابوا عن الحجّة الثّانية بأنّه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم، وفي الآية الثّانية كلّهم.
وأجابوا عن الحجّة الثّالثة أنّ العلماء لمّا كانوا مصرّين على الشّبهات، والعوامّ كانوا مصرّين على اتّباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلا في الكلّ.
وأجابوا عن الحجّة الرّابعة بأنّه تعالى أخبر عنهم أنّهم بكلّيّتهم لا يؤمنون، وقولنا: كلّ اليهود لا يؤمنون، مغاير لقولنا: أنّ أحدا منهم لا يؤمن.
المسألة الثّانية: احتجّ الكعبيّ بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم، قال: لأنّه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون، فكان لا يصحّ هذا الخبر على وجه القطع.
المسألة الثّالثة: احتجّ أبو مسلم بهذه الآية على أنّ علم اللّه تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجّة لهم فيما يرتكبون، فإنّهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الّذي أمروا به، ويتركوا ضدّه الّذي نهوا عنه.
واحتجّ أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق، وهو أنّه تعالى أخبر عنهم بأنّهم لا يتّبعون قبلته، فلو اتّبعوا قبلته لزم انقلاب خبر اللّه الصّدق كذبا، وعلمه جهلا، وهو محال، ومستلزم المحال محال، فكان ذلك محالا، وقد أمروا به، فقد أمروا بالمحال. وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ البقرة: 6.
المسألة الرّابعة: إنّما حكم اللّه تعالى عليهم بأنّهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان، وذلك لأنّ إعراضهم عن قبول هذا الدّين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجّة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد،