المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 335
قول السّوء مبالغة، مثل:"زيد عدل"كما عبّر عن المال الحرام ب (السّحت) وهو وصف له. ثمّ إنّ الجمع بين"قول الإثم"و"أكل السّحت"فيه إناقة وتناسق، فكلاهما صادران عن مصدر واحد، هو الفم ظاهرا وشره النّفس باطنا، ولهذا جمعهما في: لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ، كما جمع الإثم والسّحت في قوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وفي ذلك تلاؤم في المعنى وتناسق في اللّفظ، ثمّ تأكيد على اجتنابهما، وإيماء إلى وحدة منشئهما، ممّا يبعث على العجب.
وجدير بالذّكر أنّ القرآن جمع بين"سماع الكذب"و"أكل السّحت"أيضا في آية. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ المائدة: 42، والسّمع فعل الأذن، والأكل فعل الفم، وهما قريبان، والسّمع عدل القول عند النّاس، والقول مصدره الفم كالأكل.
وهناك أمر يلفت النّظر ويدعو إلى التّأمّل، وهو أنّ (السّحت) جاء في القرآن ثلاث مرّات في ثلاث آيات من سورة المائدة، وهي آخر ما نزل من القرآن على القول المختار، فما هو السرّ في ذلك؟ لاحظ"س ح ت".
وثانيا: جمع في"2"بين"أكل المال بالباطل"و"أكله بالإثم"إيحاء إلى وجود علاقة بين الباطل والإثم؛ فإنّ الباطل فيه خسارة وضرر فلا خير فيه ولا نفع، وهذا يتّحد مع المفهوم القرآنيّ للإثم في سائر الآيات، لاحظ"ب ط ل".
وثالثا: عقّب"أكل الأموال بالإثم"بقوله: (و انتم تعلمون) ، وهذا يدعم ما سبق من التّعمّد في مفهوم الإثم.
الثّامن- وصف من يكتم الشّهادة بأنّه آثم في آيتين:
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ البقرة: 283
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ
المائدة: 106
يلاحظ في الأولى- أوّلا: أنّه يدعم أيضا ما تقدّم من شرط التّعمّد في مفهوم الإثم، وهو- أي التّعمّد- فعل القلب. ثمّ إنّ كلّ إثم منشأه القلب كما أنّ كلّ خير كذلك.
والنّيّة- وهي فعل القلب- معيار للخير والشّرّ، كما قال الرّسول صلّى اللّه عليه وآله:"إنّما الأعمال بالنّيّات". وللقلب في القرآن والحديث ميدان واسع، كيف وهو معقل العلم والإيمان، ومأوى الكفر والنّفاق، ولا نجاة إلّا لمن أتى اللّه بقلب سليم، لاحظ"ق ل ب".
وثانيا: أنّ النّكتة في اختصاص كتمان الشّهادة"بإثم القلب"لعلّه يرجع إلى أنّ الكتمان بنفسه ليس عملا سوى إمساك عن الشّهادة، وهو عدم. ولكن منشأه مرض في القلب كالبخل والجبن والبغي ونحوها، فنسب الكتمان إلى سببه.
والّذي لا مرية فيه أنّ هذا التّعبير بالغ في استهجان العمل وإكباره، وأنّ كتمان الشّهادة ناشئ عن رجس الباطن وسوء السّريرة. وقد تقدّم في النّصوص التّفسيريّة ما يكفينا عن الإسهاب هنا.
وثالثا: جاء قوله في آخر الآية: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تقريرا بأنّ الكتمان فعل لا عدم، كما صرّح القرآن في غيرها من آيات كتمان الشّهادة بنفس الشّي ء، مثل:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ