فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 643
الأموال إنّما هو بالتّجارة، أو لأنّ أسباب الرّزق أكثرها متعلّق بها. (46)
القرطبيّ: هنا مسائل ... [ذكر نحو القيسيّ ثمّ قال:]
الثّالثة: قوله تعالى: (تجارة) التّجارة في اللّغة: عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الّذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصّالحة الّتي هي بعض من فعله، قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ الصّفّ: 10.
وقال تعالى: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ فاطر: 29، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ التّوبة: 111. فسمّى ذلك كلّه بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات الّتي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان:
تقلّب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربّص واحتكار قد رغب عنه أولو الأقدار، وزهد فيه ذوو الأخطار.
والثّاني: تقلّب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعمّ جدوى ومنفعة، غير أنّه أكثر خطرا وأعظم غررا. وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:"إنّ المسافر وماله لعلى قلت إلّا ما وقى اللّه"يعني على خطر. وقيل: في التّوراة يا ابن آدم، أحدث سفرا أحدث لك رزقا.
الرّابعة: اعلم أنّ كلّ معاوضة تجارة على أيّ وجه كان العوض، إلّا أنّ قوله: (بالباطل) أخرج منها كلّ عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة، أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضا كلّ عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصّدقة والهبة لا للثّواب. وجازت عقود التّبرّعات بأدلّة أخرى مذكورة في مواضعها، فهذان طرفان متّفق عليها.
وخرج منها أيضا: دعاء أخيك إيّاك إلى طعامه، روى أبو داود عن ابن عبّاس في قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ النّساء: 29 فكان الرّجل يحرج أن يأكل عند أحد من النّاس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية الأخرى الّتي في"النّور"فقال: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إلى قوله: (أَشْتاتًا) فكان الرّجل الغنيّ يدعو الرّجل من أهله إلى طعامه، فيقول: إنّي لأجنح أن آكل منه- والتّجنّح: الحرج- ويقول: المسكين أحقّ به منّي. فأحلّ في ذلك أن يأكلوا ممّا ذكر اسم اللّه عليه، وأحلّ طعام أهل الكتاب.
الخامسة: لو اشتريت من السّوق شيئا، فقال لك صاحبه قبل الشّراء: ذقه وأنت في حلّ، فلا تأكل منه، لأنّ إذنه بالأكل لأجل الشّراء، فربّما لا يقع بينكما شراء، فيكون ذلك الأكل شبهة، ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته، فلم تجده على تلك الصّفة، فأنت بالخيار.
السّادسة: والجمهور على جواز الغبن في التّجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة، فذلك جائز، وأنّ المالك الصّحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتّافه اليسير. وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء، إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب.