المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 666
والجار والمجرور متعلّق ب (يبعث) ، ويجوز أن يكون متعلّقا بمحذوف وقع صفة ل"عذاب"و (أو) لمنع الخلوّ دون الجمع، فلا منع لما كان من الجهتين معا، كما فعل بقوم نوح عليه الصّلاة والسّلام. (7: 180)
الطّباطبائيّ: [نقل الأقوال ثمّ قال:]
وقيل: المراد بما من فوق وبما من تحت: الأسلحة النّاريّة القتّالة الّتي اخترعها البشر أخيرا؛ من الطّيّارات والمناطد الّتي تقذف القنابل المحرقة والمخرّبة وغيرها، ومراكب تحت البحر المغرقة للسّفائن والباخرات، فإنّ الإنذار إنّما وقع في كلامه تعالى، وهو أعلم بما كان سيحدث في مملكته.
والحقّ أنّ اللّفظ ممّا يقبل الانطباق على كلّ من المعاني المذكورة، وقد وقع بعد النّزول ما ينطبق عليه اللّفظ. والمحتّد الأصليّ لهذه الوقائع الّذي مهّد لها الطّريق هو اختلاف الكملة، والتّفرّق الّذي بدأت به الأمّة، وجبّهت به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيما كان يدعوهم إليه من الاتّفاق على كلمة الحقّ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ الأنعام:
3 -يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. العنكبوت: 55
الميبديّ: أي من كلّ الجهات، لأنّه محيط بهم.
الفخر الرّازيّ: وفيه مسألتان:
الأولى: لم خصّ الجانبين بالذّكر، ولم يذكر اليمين والشّمال وخلف وقدّام؟
فنقول: لأنّ المقصود ذكر ما تتميّز به نار جهنّم عن نار الدّنيا، ونار الدّنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإنّ من دخلها تكون الشّعلة خلفه وقدّامه ويمينه ويساره. وأمّا النّار من فوق فلا تنزل، وإنّما تصعد من أسفل في العادة العاجلة، وتحت الأقدام لا تبقى الشّعلة الّتي تحت القدم، ونار جهنّم تنزل من فوق، ولا تنطفئ بالدّوس موضع القدم.
المسألة الثّانية: قال: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ولم يقل: من فوق رؤوسهم، ولا قال: من فوقهم ومن تحتهم، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر (تحت) ، ولم يذكر عند ذكر (فوق) .
فنقول: لأنّ نزول النّار من فوق سواء كان من سمت الرّؤوس، وسواء كان من موضع آخر عجيب، فلهذا لم يخصّه بالرّأس. وأمّا بقاء النّار تحت القدم فحسب، عجيب. وإلّا فمن جوانب القدم في الدّنيا يكون شعل وهي تحت، فذكر العجيب: وهو ما تحت الأرجل؛ حيث لم ينطف بالدّوس، وما"فوق"على الإطلاق. (25: 82)
البروسويّ: والمراد من جميع جهاتهم [إلى أن قال:]
وفي"التّأويلات النّجميّة": يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ بإحاطة هذه الصّفات، من (فوقهم) : الكبر والغضب والحسد والحقد، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ: الحرص والشّره والشّهوة، ولكنّهم بنوم الغفلة نائمون، ليس لهم خبر عن ذوق العذاب، كالنّائم لا شعور له في النّوم بما يجري على صورته، لأنّه نائم الصّورة، فإذا انتبه يجد ذوق ما يجري عليه من العذاب. (6: 485)