فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 751
عليك أنّهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربّك، وأنّك تترك بعض الوحي ويضيق به صدرك، مخافة أن يقولوا، أو لئلّا يقولوا. (5: 523)
الزّمخشريّ: أي لعلّك تترك أن تلقيه إليهم وتبلّغه إيّاهم، مخافة ردّهم وتهاونهم به. (2: 261)
الفخر الرّازيّ: أجمع المسلمون على أنّه لا يجوز على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أن يخون في الوحي والتّنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه، لأنّ تجويزه يؤدّي إلى الشّكّ في كلّ الشّرائع والتّكاليف، وذلك يقدح في النّبوّة. وأيضا فالمقصود من"الرّسالة"تبليغ تكاليف اللّه تعالى وأحكامه، فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرّسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ شيئا آخر، سوى أنّه عليه السّلام فعل ذلك.
وللنّاس فيه وجوه:
الأوّل: لا يمتنع أن يكون في معلوم اللّه تعالى أنّه إنّما يترك التّقصير في أداء الوحي والتّنزيل، لسبب يرد عليه من اللّه تعالى، أمثال هذه التّهيّدات البليغة.
الثّاني: أنّهم كانوا لا يعتقدون بالقرآن ويتهاونون به، فكان يضيق صدر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فهيّجه اللّه تعالى لأداء الرّسالة، وطرح المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم. والغرض منه التّنبيه على أنّه إن أدّى ذلك الوحي وقع في سخريّتهم وسفاهتهم، وإن لم يؤدّ ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي اللّه تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه.
فإذا لا بدّ من تحمّل أحد الضّررين، وتحمّل سفاهتهم أسهل من تحمّل إيقاع الخيانة في وحي اللّه تعالى.
والغرض من ذكر هذا الكلام التّنبيه على هذه الدّقيقة، لأنّ الإنسان إذا علم أن كلّ واحد من طرفي الفعل والتّرك يشتمل على ضرر عظيم. ثمّ علم أنّ الضّرر في جانب التّرك أعظم وأقوى، سهل عليه ذلك الفعل وخفّ، فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه.
فإن قيل: قوله: (فلعلّك) كلمة شكّ فما الفائدة فيها؟
قلنا: المراد منه الزّجر، والعرب تقول للرّجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر: لعلّك تقدر أن تفعل كذا، مع أنّه لا شكّ فيه، ويقول لولده لو أمره: لعلّك تقصر فيما أمرتك به، ويريد توكيد الأمر، فمعناه لا تترك. (17: 193)
نحوه المراغيّ. (12: 10)
القرطبيّ: أي فلعلّك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتّكذيب تتوهّم أنّهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه.
وقيل: إنّهم لمّا قالوا: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ همّ أن يدع سبّ آلهتهم فنزلت هذه الآية.
فالكلام معناه الاستفهام، أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك؟ وتأكّد عليه الأمر في الإبلاغ، كقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ المائدة: 67.
وقيل: معنى الكلام النّفي مع استبعاد، أي لا يكون منك ذلك، بل تبلّغهم كلّ ما أنزل إليك؛ وذلك أنّ مشركي مكّة قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا