المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 767
بحساب العرب، واعتبار القمريّة بيانا للتّفاوت بينهما، إذ التّفاوت بينهما في كلّ مئة سنة ثلاث سنين، دعوى يتوقّف تصحيحها على ثبوت أنّ أهل الكتاب أرادوا بالسّنة الشّمسيّة، وأنّه قصّ علينا ما أرادوه بالسّنة الهلاليّة، فلذلك قال: وَازْدَادُوا تِسْعًا لنقف على تحديد ما عنوه.
ومن أين يثبت ذلك؟ وما الدّاعي لهذا التّعمّق المشوّش؟ والآية جليّة بنفسها في دعواهم مدّة لبثهم.
وقد يريدون السّنة الشّمسيّة أو الهلاليّة، وبأيّ منهما قالوا: فقد ردّ عليهم بقوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا الكهف: 26، أي بمقدار لبثهم. فلا تقفوا ما ليس لكم به علم، وما هو غيب يرد إليه سبحانه، كما قال:
لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما، أي أنّه هو وحده العالم به.
الطّنطاويّ: يقول اللّه إخبارا من عنده: ولبث أهل الكهف إلى يوم النّبوّة المحمّديّة ثلاثمئة سنة وتسع سنين.
ولمّا سمع أهل الكتاب وهم نصارى نجران ذلك قالوا: أمّا الثّلاثمئة فقد عرفناها وأمّا التّسع فلا علم لنا بها، فقال اللّه له: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا الكهف: 26، كما قلنا لك من قبل: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا الكهف: 22، لأنّ المقام مقام اعتبار وحكم، والمشاغبة والجدال يضيّع المقصود من الرّسالة ومن العلم.
ثمّ اعلم أيّها الفطن أنّ هذه معجزة أهمّ من ذكر قصّة أهل الكهف، لأنّ اللّه يقول: أيّها النّاس هذا النّبيّ الأمّيّ الّذي لم يقرأ ولم يكتب ولم يدرس علم الحساب ولا الهندسة والفلك من أين جاء له أنّ كلّ ثلاثمئة سنة تزداد تسع سنين، وبعبارة أخرى من أين عرف أنّ كلّ مئة سنن شمسيّة تزيد ثلاث سنين قمريّة، وكلّ ثلاث وثلاثين سنة شمسيّة تزيد سنة قمريّة، وكلّ سنة شمسيّة تزيد نحو (11) يوما، من أين جاء له ذلك وهو لم يدرس ذلك.
وكيف ينزل عليه لفظ وَازْدَادُوا ليفصل بين الزّيادة في القمريّة والمزيد عليه في الشّمسيّة، هل هذه رمية من غير رام؟
وإذا وقفت أهل نجران وقالوا: لا نعرف التّسع ونعرف الثّلاثمئة، أفلا يتفطّن لهذا القول ويعرفوا أنّ هناك معاني وأنّ أهل عصر النّبوّة عجزوا عن فهم مثل هذه الأمور؟
وإذا كان حبر عظيم من أكبر علماء الإسلام كالعلّامة الرّازيّ رحمه اللّه يقول: وإنّ الحساب لا يوافق هذا القول، فكيف بغيره من الّذين لا علم لهم؟!
فإذا كان فلاسفة الإسلام وحكماؤهم يتردّدون في هذا القول من حيث السّنين الشّمسيّة والقمريّة، ويقولون: ليس ذلك حقيقة، فكيف بغيرهم ممّن لا علم لهم بحساب ولا فلك؟!
ولقد أرأيتك الحقيقة ناصعة كما أثبتها المحقّقون وقرأناه في الفلك، وأصبح معلوما مشهورا عند علمائه، أفلا تعجب من حكمة عالية وآيات ظاهرة وعجائب باهرة؟! (9: 129)
محمّد جواد مغنيّة: بعد أن استطرد سبحانه بذكر الآيتين، عاد إلى أهل الكهف، وبيّن أنّهم مكثوا في نومهم