فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 798
لأحوال الآخرة، وأنّ الإنسان يحسب الجبال يومئذ جامدة، وليست كذلك، بل تمرّ مرّ السّحاب، وهي في صورة الجبال، لأنّ للّه أتقن صنعها في الدّنيا، ويشهد بذلك قوله: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ، فإنّه راجع إلى جزاء الآخرة على الأعمال.
وقال الزّمخشريّ في (صنع اللّه) :"يعني به الإثابة والمعاقبة، وجعل هذا الصّنع من جملة الأشياء الّتي أتقنها، وأتى به على الحكمة والصّواب ... يعني أنّ مقابلته الحسنة بالثّواب، والسّيّئة بالعقاب، من جملة إحكامه للأشياء ..."إلى أن قال:"فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ...".
ثانيا: ومن ناحية أخرى فقد جاء في آيتين قبلها:
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ النّمل: 86، وهذه حالة الدّنيا دون الآخرة، مع سبقها بآيات حول الآخرة من قوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، إلى قوله:
(لا ينطقون) النّمل: 82 - 85. فوقوع الآية المعنيّة بين آيات القيامة لا يمنع من وصف الدّنيا بها لتقاس بها الآخرة. وهذا هو الّذي يتراءى من كلام غير الزّمخشريّ، فلاحظ.
وعلى هذه الرّؤية فهي وصف للجبال في الدّنيا، وتأييد لرأي صدر الدّين الشّيرازيّ بالحركة الجوهريّة؛ إذ قد استدلّ بها، أي أنّ اللّه أتقن كلّ شي ء صنعا، ومع ذلك فالجبال- وكذا العالم بأجمعه- تتحوّل دائما.
وبناء عليه، فذكر آيات الخلقة وصنعها خلال آيات الآخرة، من أجل التّدليل على علم اللّه وقدرته وسيطرته على العباد في الآخرة كما في الدّنيا، وأنّه خبير بأحوال العباد، وقادر على الحساب والكتاب، وعلى الثّواب والعقاب، بلا ظلم لهم ولا طغيان.
ثالثا: لم خصّ"الإتقان"في الآية بالخلقة، وخصّ"الإحكام"بالقرآن في الآيات التّالية؟
1 -كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود: 1
2 -فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ الحجّ: 52
3 -فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
محمّد: 20
4 -هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ آل عمران: 7
والجواب- على رأي أبي هلال في الفرق بين الإتقان والإحكام-"أنّ الإتقان: إصلاح الخلل، والإحكام:"
إيجاد الشّي ء محكما بلا خلل. فالقرآن أوحي صحيحا كاملا، ولم يكن فيه خلل حتّى يتقنه، أمّا العالم فخلق تدريجيّا وأتقن، فسدّ خلله"."
ومعنى هذا أنّ العالم لم يخلق صحيحا، وكان فيه خلل فسدّ. والاعتراف به مشكل، كيف وقد قال تعالى:
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ الملك: 3، 4، وقال:
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ السّجدة: 7، لاحظ"خ ل ق".