فهرس الكتاب

الصفحة 3560 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 851

الطّبريّ: [نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال:]

والصّواب من القول في تأويل ذلك أنّه بمعنى يتّبعونه حقّ اتّباعه. من قول القائل: ما زلت أتلو أثره، إذا اتّبع تأثره، لإجماع الحجّة من أهل التّأزيل على أنّ ذلك تأويله. وإذا كان ذلك تأويله، فمعنى الكلام: الّذين آتيناهم الكتاب يا محمّد من أهل التّوراة الّذين آمنوا بك، وبما جئتهم به من الحقّ من عندي، يتّبعون كتابي الّذي أنزلته على رسولي موسى صلوات اللّه عليه، فيؤمنون به، ويقرّون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنّك رسولي فرض عليهم طاعتي في الإيمان بك والتّصديق بما جئتهم به من عندي، ويعملون بما أحللت لهم، ويجتنبون ما حرّمت عليهم فيه، ولا يحرّفونه عن مواضعه ولا يبدّلونه ولا يغيّرونه، كما أنزلته عليه بتأويل ولا غيره.

أمّا قوله: حَقَّ تِلاوَتِهِ فمبالغة في صفة اتّباعهم الكتاب، ولزومهم العمل به، كما يقال: إنّ فلانا لعالم حقّ عالم، وكما يقال: إنّ فلانا لفاضل كلّ فاضل.

وقد اختلف أهل العربيّة في إضافة"حقّ"إلى المعرفة، فقال بعض نحويّي الكوفة: غير جائزة إضافته إلى معرفة، لأنّه بمعنى أيّ، وبمعنى قولك: أفضل رجل فلان، و"أفعل"لا يضاف إلى واحد معرفة، لأنّه مبعّض، ولا يكون الواحد المبعّض معرفة، فأحالوا أن يقال:

مررت بالرّجل حقّ الرّجل، ومررت بالرّجل جد الرّجل، كما أحالوا مررت بالرّجل أي الرّجل، وأجازوا ذلك في كلّ الرّجل وغير الرّجل ونفس الرّجل.

وقالوا: إنّما أجزنا ذلك، لأنّ هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا، فلمّا صرن مدوحا تركن مدوحا على أصولهنّ في المعرفة، لأنّ العرب تعتدّ بالهاء إذا عادت إلى نكرة بالنّكرة، فيقولون: مررت برجل واحد أمّه، ونسيج وحده، وسيّد قومه: قالوا: فكذلك قوله:

يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ إنّما جازت إضافته إلى التّلاوة، وهي مضافة إلى معرفة، لأنّ العرب تعتدّ بالهاء إذا عادت إلى نكرة بالنّكرة، فيقولون: مررت برجل واحد أمّه، ونسيج وحده، وسيّد قومه، قالوا: فكذلك قوله:

حَقَّ تِلاوَتِهِ إنّما جازت إضافة (حقّ) إلى التّلاوة، وهي مضافة إلى الهاء لاعتداد العرب بالهاء الّتي في نظائرها في عداد النّكرات.

قالوا: ولو كان ذلك حقّ التّلاوة لوجب أن يكون جائزا. مررت بالرّجل حقّ الرّجل، فعلى هذا القول تأويل الكلام: الّذي آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته.

وقال بعض نحويّي البصرة: جائزة إضافة (حقّ) إلى النّكرات مع النّكرات، ومع المعارف إلى المعارف، وإنّما ذلك نظير قول القائل: مررت بالرّجل غلام الرّجل، وبرجل غلام رجل. فتأويل الآية على قول هؤلاء:

الّذي آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته.

وأولى ذلك بالصّواب عندنا القول الأوّل، لأنّ معنى قوله: حَقَّ تِلاوَتِهِ أي مع النّكرات، ومع المعارف إلى المعارف، مدح التّلاوة الّتي تلوها وتفضيلها، و"أيّ"غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم، وكذلك"حقّ"غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة، وإنّما أضيف في (حقّ تلاوته) إلى ما فيه الهاء لما وصفت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت