فهرس الكتاب

الصفحة 3580 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 871

أواظب على تلاوته لتكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا، فإنّه كلّما تفكّر التّالي العالم تجلّت له معان جديدة كانت في حجب مخفيّة، ولذا لا يشبع العلماء من تلاوة القرآن، وهو السّرّ في أنّه كان آخر وردهم، لأنّ المنكشف أوّلا للعارفين حقائق الآفاق ثمّ حقائق الأنفس ثمّ حقائق القرآن.

فعليك بتلاوة القرآن كلّ يوم، ولا تهجره كما يفعل ذلك طلبة العلم وبعض المتصوّفة، زاعمين بأنّهم قد اشتغلوا بما هو أهمّ من ذلك وهو كذب، فإنّ القرآن مادّه كلّ علم في الدّنيا، ويستحبّ لقارئ القرآن في المصحف أنيجهر بقراءته، ويضع يده على الآية يتبعها، فيأخذ اللّسان حظّه من الرّفع ويأخذ البصر حظّه من النّظر واليد حظّها من المسّ.

وسماع القرآن أشرف أرزاق الملائكة السّيّاحين وأعلاها، ومن لم تتيسّر له تلاوة القرآن فليجلس لبثّ العلم لأجل الأرواح الّذين غذاؤهم العلم، لكن لا يتعدّى علوم القرآن.

والطّهارة الباطنة للأذنين تكون باستماع القول الحسن، فإنّه ثمّ حسن وأحسن، فأعلاه حسنا: ذكر اللّه القرآن، فيجمع بين الحسنين، فليس أعلى من سماع ذكر اللّه بالقرآن، مثل كلّ آية لا يكون مدلولها إلّا ذكر اللّه، فإنّه ما كلّ آية تتضمّن ذكر اللّه فإنّ فيه حكاية الأحكام المشروعة، وفيه قصص الفراعنة، وحكايات أقوالهم وكفرهم، وإن كان في ذلك الأجر العظيم من حيث هو قرآن بالإصغاء إلى القارئ إذا قرأ من نفسه أو غيره، فعلم أنّ"ذكر اللّه"إذا سمع في القرآن أتمّ من سماع قول الكافرين في اللّه ما لا ينبغي، كذا في"الفتوحات".

واعلم أنّ خلق النّبيّ عليه السّلام كان القرآن، فانظر في تلاوتك إلى كلّ صفة مدح اللّه بها عباده فافعلها أو اعزم على فعلها، وكلّ صفة ذمّ اللّه بها عباده على فعلها فاتركها أو اعزم على تركها، فإنّ اللّه تعالى ما ذكر لك ذلك وأنزله في كتابه إلّا لتعمل به. فإذا حفظت القرآن عن تضييع العمل به كما حفظته تلاوة، فأنت الرّجل الكامل. [إلى أن قال:]

وهذه الآية منسوخة بآية السّيف.

وفي"التّأويلات النّجميّة": فيه إشارة إلى أنّ نور القرآن يربيّ جوهر الهداية والضّلالة في معدن قلب الإنسان السّعيد والشّقيّ، كما يربيّ ضوء الشّمس الذّهب والحديد في المعادن، يدلّ عليه قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا البقرة: 26، وقال عليه السّلام:

"النّاس كمعادن الذّهب والفضّة". (6: 378)

شبّر: وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ عليكم أدعوكم إلى ما فيه أو اتّبعه. (4: 445)

الآلوسيّ: أي أواظب على قراءته على النّاس بطريق تكرير الدّعوة وتثنيته الإرشاد، لكفايته في الهداية إلى طريق الرّشاد.

وقيل: أي أواظب على قراءته لينكشف لى حقائقه الرّائقة المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا، فإنّ المواظبة على قراءته من أسباب فتح باب الفيوضات الإلهيّة والأسرار القدسيّة. وقد حكي أنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، قام ليلة يصلّي فقرأ قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ المائدة: 118، فما زال يكرّرها ويظهر له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت