فهرس الكتاب

الصفحة 3612 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 903

كبرياء اللّه، غير الجهة الّتي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام، وتقدر على التصرّف فيها، وقوله: فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا إشارة إلى الأشرف من الجهة الّتي باعتبارها تقوّى على التّأثير في عالم الأجسام.

إذا عرفت هذا فقوله: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا إشارة إلى وقوفها صفّا صفّا في مقام العبوديّة والطّاعة بالخشوع والخضوع، وهي الجهة الّتي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسيّة أصناف الأنوار الإلهيّة والكمالات الصّمديّة.

وقوله تعالى: فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا إشارة إلى تأثير الجواهر الملكيّة في تنوير الأرواح البشريّة، وإخراجها من القوّة إلى الفعل، وذلك لمّا ثبت أنّ هذه الأرواح النّطقيّة البشريّة بالنّسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنّسبة إلى البحر، وكالشّعلة إلى الشّمس.

وأنّ هذه الأرواح البشريّة إنّما تنتقل من القوّة إلى الفعل في المعارف الإلهيّة والكمالات الرّوحانيّة بتأثيرات جواهر الملائكة، ونظيره قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وقوله:

نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ، وقوله تعالى:

فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا.

إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أنّ الكمال المطلق للشّي ء إنّما يحصل إذا كان تامّا وفوق التّام. والمراد بكونه تامّا: أن تحصل جميع الكمالات اللّائقة به حصولا بالفعل، والمراد بكونه فوق التّامّ: أن تفيض منه أصناد الكمالات والسّعادات على غيره، ومن المعلوم أنّ كونه كاملا في ذاته مقدّم على كونه مكمّلا لغيره.

إذا عرفت هذا فقوله: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبوديّة وصفوف الخدمة والطّاعة، وقوله تعالى:

فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا إشارة إلى كيفيّة تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسيّة والأنوار الإلهيّة على الأرواح النّاطقة البشريّة، فهذه مناسبات عقليّة واعتبارات حقيقيّة تنطبق عليها هذه الألفاظ الثّلاثة.

قال أبو مسلم الأصفهانيّ: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة، لأنّها مشعرة بالتّأنيث والملائكة مبرّؤون عن هذه الصّفة؛ والجواب من وجهين: الأوّل: أنّ (الصّافّات) جمع الجمع، فإنّه يقال: جماعة صافّة، ثمّ يجمع على صافّات. والثّاني: أنّهم مبرّؤون عن التّأنيث المعنويّ، أمّا التّأنيث في اللّفظ فلا، وكيف وهم يسمّون الملائكة مع أنّ علامة التّأنيث حاصلة في هذا الوجه.

الثّاني: أنّ تحمّل هذه الصّفات على النّفوس البشريّة الطّاهرة المقدّسة المقبلة على عبوديّة اللّه تعالى الّذين هم ملائكة الأرض، وبيانه من وجهين: الأوّل أنّ قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا المراد: الصّفوف الحاصلة عند أداء الصّلوات بالجماعة، وقوله: فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا إشارة إلى قراءة (اعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم) كأنّهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشّياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصّلاة، وقوله:

فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا إشارة إلى قراءة القرآن في الصّلاة، وقيل: فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا إشارة إلى رفع الصّوت بالقراءة، كأنّه يزجر الشّيطان بواسطة رفع الصّوت.

روي أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم طاف على بيوت أصحابه في اللّيالي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت