فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 905
والتّصريف، وإليه الإشارة بقوله: فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا. فأنّا قد بيّنّا أنّ المراد من هذا الزّجر: السّوق والتّحريك.
والثّاني: الإدراك والمعرفة والاستغراق في معرفة اللّه تعالى والثّناء عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا. ولمّا كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلّة فالتّصرّف في الجسمانيّات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال اللّه المقبلة على تسبيح اللّه، كما قال: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ الأنبياء: 19. لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام، فقال: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، ثمّ ذكر في المرتبة الثّانية الأرواح المقدّسة المتوجّهة بكلّيّتها إلى معرفة جلال اللّه والاستغراق في الثّناء عليه. فهذه احتمالات خطرت بالبال، والعالم بأسرار كلام اللّه تعالى ليس إلّا اللّه.
المسألة الثّالثة: للنّاس في هذا الموضع قولان:
الأوّل: قول من يقول: المقسم به هاهنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء، واحتجّوا عليه بوجوه:
الأوّل: أنّه اللّه أكبر نهى عن الحلف بغير اللّه، فكيف يليق بحكمة اللّه أن يحلف بغير اللّه.
والثّاني: أنّ الحلف بالشّي ء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به، ومثل هذا التّعظيم لا يليق إلّا باللّه.
والثّالث: أنّ هذا الّذي ذكرناه تأكّد بما أنّه تعالى صرّح به في بعض السّور، وهو قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها* وَالْأَرْضِ وَما طَحاها* وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها الشّمس: 5 - 7.
والقول الثّاني: قول من يقول: إنّ القسم واقع بأعيان هذه الأشياء، واحتجّوا عليه بوجوه:
الأوّل: أنّ القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللّفظ، فالعدول عنه خلاف الدّليل.
والثّاني: أنّه تعالى قال: وَالسَّماءِ وَما بَناها فعلّق لفظ القسم ب (السّماء) ثمّ عطف عليه القسم بالباني للسّماء. فلو كان المراد من القسم ب (السّماء) القسم بمن بنى السّماء، لزم التّكرار في موضع واحد، وأنّه لا يجوز.
والثّالث: أنّه لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم من اللّه تعالى بهذه الأشياء، التّنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها، لا سيّما إذا حملنا هذه الألفاظ على"الملائكة"فإنّه تكون الحكمة في القسم بها التّنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها، واللّه أعلم.
فإن قيل: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق، وبيانه من وجوه:
الأوّل: أنّ المقصود من هذا القسم إمّا إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو عند الكافر؛ والأوّل باطل، لأنّ المؤمن مقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل، فهذا الحلف عديم الفائدة على كلّ التّقديرات.
الثّاني: أنّه تعالى حلف في أوّل هذه السّورة على أنّ الإله واحد، وحلف في أوّل سورة (و الذّاريات) على أنّ القيامة حقّ، فقال: وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا إلى قوله:
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ* وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ 1 - 6، وإثبات هذه المطالب العالية الشّريفة على المخالفين من الدّهريّة وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء؛ والجواب من وجوه: