فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 36
شطره لئلّا يكون للنّاس عليكم حجّة ولأتمّ إلخ. فهو علّة لمذكور، أي أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدّارين؛ أمّا دنيا فلظهور سلطانكم على المخالفين، وأمّا عقبى فلإثابتكم الثّواب الأوفى.
ولا يرد الفصل بالاستثناء وما بعده لأنّه كلا فصل؛ إذ هو من متعلّق العلّة الأولى، نعم اعترض ببعد المناسبة، وبأنّ إرادة الاهتداء المشعر بها التّرجّي إنّما تصلح علّة للأمر بالتّولية لا لفعل المأمور به، كما هو الظّاهر في المعطوف عليه.
فالظّاهر معنى جعله علّة لمحذوف، أي وأمرتكم بالتّولية- والخشية- لإتمام نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءكم. والجملة المعلّلة معطوفة على الجملة المعلّلة السّابقة، أو عطف على علّة مقدّرة مثل (وَ اخْشَوْنِي) لأحفظكم ولأتمّ إلخ.
ورجّح بعضهم هذا الوجه بما أخرجه البخاريّ في الأدب المفرد، والتّرمذيّ من حديث معاذ بن جبل"تمام النّعمة دخول الجنّة". ولا يخفى أنّه على الوجه الأوّل قد يؤول الكلام إلى معنى: فاعبدوا، وصلّوا متّجهين شطر المسجد الحرام، لأدخلكم الجنّة. والحديث لا يأبى هذا بل يطابقه حذو القذّة بالقذّة، فكونه مرجّحا لذلك بمعزل عن التّحقيق. (2: 18)
رشيد رضا: باستقلال قبلتكم في بيت ربّكم الّذي بناه جدّكم، وجعل الأمم فيها تبعا لكم.
وبيانه أنّ هذا النّبيّ عربيّ من ولد إبراهيم، وبلسان العرب نزل عليه الكتاب، وهم قومه الّذين بعث فيهم أوّلا، وظهرت دعوته فيهم، وامتدّت منهم وبهم إلى سائر الأمم، وكانوا إذا آمنوا يحبّون أن تكون وجهتهم في عبادتهم بيتهم الحرام.
وأن يحيوا سنّة إبراهيم، بتطهيره من عبادة الأصنام، لأنّه معبدهم، وأشرف أثر عندهم، ينسب إلى أبيهم إبراهيم الّذي بناه، ورفع قواعده لعبادة اللّه تعالى، وهو شرفهم ومجدهم وموطن عزّهم وفخرهم، فأتمّ اللّه عليهم النّعمة بإعطائهم ما يحبّون، وتوجيه جميع شعوب الإسلام إلى بلادهم، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها. وفي ذلك من الفوائد المادّيّة والمعنويّة ما لا يحصى من النّعم.
نعم إنّ كلّ أمر من اللّه تعالى فامتثاله نعمة، ولكنّه إذا كان فيه حكمة ظاهرة وشرف للأمّة يتعلّق بتاريخها الماضي، وبمجدها الآتي، وكان أثره حميدا نافعا فيها، تكون النّعمة به أتمّ والمنّة أكمل، ولذلك عبّر بالإتمام.
وذكر الأستاذ الإمام [محمّد عبده] : من الحكمة في جعل القبلة في أوّل الأمر بيت المقدس، أنّ الكعبة كانت في أوّل الإسلام مشغولة بالأصنام والأوثان، وكان سلطان أهل الشّرك متمكّنا فيها، والأمل في انكشافه عنها بعيدا، فصرفه اللّه أوّلا عن استقبال بيت مدنس بعبادة الشّرك- وقد كان اللّه أمر إبراهيم بتطهيره للطّائفين والعاكفين والرّكّع السّجود- إلى بيت المقدس قبلة اليهود الّذين هم أقرب من المشركين إلى ما جاء به من التّوحيد والتّنزيه.
ولمّا قرب زمن تطهير البيت الحرام من الأصنام والأوثان وعبادتها وإزالة سلطة الوثنيّين عنه، جعله اللّه تعالى قبلة للموحّدين، ليوجّه النّفوس إليه؛ فيكون ذلك