المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 375
والنّسبة: 3/ 2، والمعروف أنّ الجملة الاسميّة تدلّ على الثّبات، والجملة الفعليّة على الحدوث في الأزمان.
وسابعا: التّدبّر في اختلاف هذه التّعابير ومناسباتها لمواردها يكشف لنا أسرارا من البلاغة القرآنيّة، فمثلا في"1 و2"جمع عقيب الإيمان والعمل الصّالح بين الوعد في الأوّل والمغفرة والأجر العظيم في الآخر بأسلوب واحد.
وفي"17 و18"عقيب المنع عن الافتتان بالأموال والأولاد، قال: وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، ومثله- مع تفاوت- فيمن جاهد وهاجر في سبيل اللّه.
وفي مقام المفاضلة بين المجاهدين والقاعدين جاء قوله: فَضَّلَ اللَّهُ.
وفي الصّلاة والزّكاة والقرض الحسن قال: هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا.
وفي التّقوى جمع بين تكفير السّيّئات وإعظام الأجر.
وفي القرض الحسن يقول: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا المزّمّل: 20، وفيه منتهى التّرغيب.
ولو لم يكن في ذلك كلّه سرّ سوى التّفنّن في الأسلوب لكان هذا بنفسه وجها من وجوه البلاغة بإيراد معنى واحد، بألفاظ وأساليب شتّى كلّها بليغة، وهي تتضمّن مقدرة صاحب الكلام في تحسين كلامه وتنويعه.
وثامنا: أنّ (الأجر العظيم) جاء في إحدى عشرة سورة كلّها مدنيّة سوى المزّمّل، وهي: النّساء- وهي أكثرها-"7"مرّات، الفتح"مرّتين"، آل عمران"مرّتين"، الأحزاب"مرّتين"، التّوبة، المائدة، الأنفال، الحجرات، التّغابن، الطّلاق، المزّمّل"مرّة واحدة"في كلّ منها.
وتاسعا: أنّ توصيف الأجر بالعظم في صيغه الثّلاث (أَجْرًا عَظِيمًا) *"18"مرّة، (يُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) مرّة واحدة، (أَعْظَمَ أَجْرًا) مرّة واحدة، جاء كلّها في آخر الآيات.
وهكذا الحال في (أَجْرٌ كَبِيرٌ) * و (أَجْرٍ كَرِيمٍ) * و (أَجْرًا حَسَنًا) * و (أَجْرُ الْعامِلِينَ) * و (أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) *. فالجميع وقع رويّا للآيات في القرآن الكريم، فهل لهذا نكتة؟
نعم، هذا نوع من الموافقة بين سياق اللّفظ ولباب المعنى والمحتوى، فإنّ الأجر بجميع هذه الأوصاف إنّما هو جزاء العاملين في الدّار الآخرة، فهو غاية المسير ونهاية المطاف للحياة البشريّة. فإذا كان كذلك فليكن دائما في آخر الآيات، كما هو في آخر الأعمال.
نعم، جاء مرّة واحدة في وسط الآية: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا الفتح: 16، لكنّه وقع في هذا الموضع آخر جملة أيضا هي بمنزلة آية، مقابلا لرويّ الآية عَذابًا أَلِيمًا؛ قد جمع الأجر والعذاب في آية لتجسيم الجزاء وتمثيله بالنّسبة إلى المطيع والعاصي.
وهذا هو الحال في أكثر ألفاظ مادّة"جزي"في القرآن الكريم، فإنّ أكثرها جاء في آخر جملة من الآيات، مثل:
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ الأعراف: 40، وفي آيات أخر كثيرة جدّا.
وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الأعراف: 41، وفي آيات أخر.