المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 68
ومن الإشفاق فيما بين ذلك كلّه.
أمّا أنّه لا بدّ من التّرك، فلأنّه لو لم يترك لكان فاعلا له، فلا يكون تائبا.
وأمّا النّدم فلأنّه لو لم يندم لكان راضيا بكونه فاعلا له، والرّاضي بالشّي ء قد يفعله، والفاعل للشّي ء لا يكون تائبا عنه.
وأمّا العزم على أن لا يعود إلى مثله، فلأنّ فعله معصية، والعزم على المعصيه معصية.
وأمّا الإشفاق فلأنّه مأمور بالتّوبة، ولا سبيل له إلى القطع بأنّه أتى بالتّوبة كما لزمه، فيكون خائفا، ولهذا قال تعالى: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ الزّمر: 9، وقال عليه السّلام:"لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا".
(الفخر الرّازيّ 3: 20)
عبد الجبّار: إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التّوبة؟
والجواب: إنّها تلزمه، لأنّ المكلّف متى علم أنّه قد عصى لم يحد فيما بعد وهو مختار، ولا مانع من أن يكون نادما أو مصرّا. لكنّ الإصرار قبيح فلا تتمّ مفارقته لهذا القبيح إلّا بالتّوبة، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب. (الفخر الرّازيّ 3: 21)
الماورديّ: أي قبل توبته، والتّوبة: الرّجوع، فهي من العبد رجوعه عن الذّنب بالنّدم عليه، والإقلاع عنه، وهي من اللّه تعالى على عبده رجوع له إلى ما كان عليه.
فإن قيل: فلم قال: فَتابَ عَلَيْهِ ولم يقل: فتاب عليهما، والتّوبة قد توجّهت إليهما؟
قيل عنه جوابان:
أحدهما: لمّا ذكر آدم وحده بقوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ذكر بعده قبول توبته، ولم يذكر توبة حوّاء وإن كانت مقبولة التّوبة، لأنّه لم يتقدّم ذكرها.
والثّاني: أنّ الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحدا، جاز أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما، كما قال تعالى:
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها الجمعة: 11، وكما قال عزّ وجلّ: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ التّوبة: 62. (1: 109)
نحوه ابن الجوزيّ. (1: 70)
الطّوسيّ: والتّوبة شرطها النّدم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله من القبيح، لأنّ هذه التّوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه.
وقد يقول القائل: قد تبت من هذا الأمر، أي عزمت على ألّا أفعله، وصرت بمنزلة التّائب، لأنّها طاعة، فأمّا إسقاط العقاب عنده فتفضّل منه تعالى.
وقالت المعتزلة ومن وافقها: وذلك واجب، وقد بيّنّا الصّحيح من ذلك في"شرح الجمل".
والتّوبة إذا كانت من ترك ندب عندنا تصحّ، وتكون على وجه الرّجوع إلى فعله. وعلى هذا تحمل توبة الأنبياء كلّهم في جميع ما نطق به القرآن، لأنّه قد بيّنّا أنّه لا يجوز عليهم فعل القبيح.
والمطبوع على قلبه له توبة، وبه قال أهل العدل.
وقالت البكريّة: لا توبة له. وهو خطأ، من قبل أنّه