المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 69
لا يصحّ تكليفه إلّا وهو متمكّن من أن يتخلّص من ضرر عقابه. وذلك لا يتمّ إلّا بأن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه. وقد وعد اللّه بذلك- وإن كان تفضّلا- إذا حصلت التّوبة.
واختلفوا في التّوبة من الغصب، هل تصحّ مع الإقامة على منع المغصوب؟ فقال قوم: لا تصحّ. وقال آخرون: تصحّ- وهو الأقوى- إلّا أن يكون فاسقا بالمنع، فيعاقب عقاب المانع، وإن سقط عنه عقاب الغصب.
والصّحيح أنّ القاتل عمدا تصحّ توبته، وقال قوم:
لا تصحّ.
والتّوبة من القتل الّذي يوجب القود: قال قوم:
لا تصحّ إلّا بالاستسلام لوليّ المقتول، وحصول النّدم، والعزم على أن لا يعود. وقال قوم آخرون: تصحّ التّوبة من نفس القتل، ويكون فاسقا بترك الاستسلام. وهذا هو الأقوى، واختاره الرّمّانيّ.
فأمّا التّوبة من قبيح بفعل آخر، فلا تصحّ على أصلنا كالتّائب من الإلحاد بعبادة المسيح. وقال قوم: تصحّ، وأجراه مجرى معصيتين يترك بإحداهما الأخرى، فإنّه لا يؤاخذ بالمتروكة.
وقال قوم: التّوبة من اعتقاد جهالة إذا كان صاحبها لا يعلم أنّها معصية بأنّه يعتقد أنّه لا محجوج إلّا عارف، فإنّه يتخلّص من ضرر تلك المعصية إذا رجع عنها إلى المعرفة، وإن لم يوقع معها توبة.
وقال آخرون: لا يتخلّص إلّا بالتّوبة، لأنّه محجوج فيه، مأخوذ بالنّزوع عن الإقامة عليه، وهو الأقوى.
فأمّا ما نسي من الذّنوب، فإنّه يجري مجرى التّوبة منه على وجه الجملة، وقال قوم: لا يجري. وهو خطأ، لأنّه ليس عليه في تلك الحال أكثر ممّا عمل. فأمّا ما نسي من الذّنوب ممّا لو ذكر، لم يكن عنده معصية.
وهل يدخل في الجملة إذا أوقع التّوبة من كلّ خطيئة؟ قال قوم: يدخل فيها، وقال آخرون: لا يدخل فيها، لكنّه يتخلّص من ضرر المعصية، لأنّه ليس عليه أكثر ممّا علم في تلك السّاعة. والأوّل أقوى، لأنّ العبد إذا لم يذكر صرف توبته إلى كلّ معصية، هي في معلوم اللّه معصية.
فأمّا المشرك إذا كان يعرف قبل توبته بفسق- إذا تاب من الشّرك- هل يدخل فيه التّوبة من الفسق في الحكم، وإن لم يظهر التّوبة منه؟ قال قوم: لا يزول عنه حكم الفسق، وهو قول أكثر المعتزلة. وقال قوم: يزول عنه حكم الفسق. وقال الأخشيذ: القول في هذا باجتهاد. والّذي يقوى في نفسي أنّه يزول، لأنّ الإسلام الأصل فيه العدالة إلى أن يتجدّد منه بعد الإسلام ما يوجب تفسيقه.
فأمّا التّوبة من قبيح مع الإقامة على قبيح آخر، يعلم ويعتقد قبحه. فعند أكثر من تقدّم صحيح، وقال أبو هاشم وأصحابه: لا تصحّ، وقد قلنا ما عندنا في ذلك في"شرح الجمل"واعتمد الأوّلون على أن قالوا: كما يجوز أن يمتنع عن قبيح لقبحه، ويفعل قبيحا آخر وإن علم قبحه، كذلك جاز أن يندم من القبيح، مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه. وهذا إلزام صحيح معتمد.
واختلفوا في التّوبة عند ظهور أشراط السّاعة، هل