فهرس الكتاب

الصفحة 3701 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 70

تصحّ أم لا؟ فقال الحسن: يحجب عنها عند الآيات السّتّ. ورواه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال:"بادروا الأعمال قبل ستّ: طلوع الشّمس من مغربها، والدّجّال، والدّخان، ودابّة الأرض، وخويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامّة يعني القيامة". وقال قوم: لا شكّ أنّ بعض الآيات يحجب، وباقيها محجوز، وهو الأقوى.

وقوله: فَتابَ عَلَيْهِ يعني قبل توبته، لأنّه لمّا عرضه للتّوبة بما ألقاه من الكلمات فعل التّوبة، وقبلها اللّه تعالى منه.

وقيل: فَتابَ عَلَيْهِ أي وفّق للتّوبة وهداه إليها، فقال: اللّهمّ تب عليّ، أي وفّقني للتّوبة، فلقّنه الكلمات حتّى قالها. فلمّا قالها قبل توبته. [إلى أن قال:]

وإنّما قال: فَتابَ عَلَيْهِ ولم يقل: فتاب عليهما؟

[أجاب كما تقدّم في الوجه الثّاني من كلام الماورديّ]

نحوه الطّبرسيّ. (1: 89)

الغزاليّ: اعلم أنّ التّوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتّبة: علم، وحال، وفعل.

فالعلم الأوّل، والحال الثّاني، والفعل الثّالث. والأوّل موجب للثّاني، والثّاني موجب للثّالث إيجابا اقتضاه اطّراد سنّة اللّه في الملك والملكوت.

أمّا العلم فهو معرفة عظم ضرر الذّنوب، وكونها حجابا بين العبد وبين كلّ محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محقّقة بيقين غالب على قلبه، ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات المحبوب. فإنّ القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألّم، فإن كان فواته بفعله تأسّف على الفعل المفوّت، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندما.

فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى، انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمّى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلّق بالحال وبالماضي وبالاستقبال.

أمّا تعلّقه بالحال فبالتّرك للذّنب الّذي كان ملابسا، وأمّا بالاستقبال فبالعزم على ترك الذّنب المفوّت للمحبوب إلى آخر العمر، وأمّا بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر.

فالعلم هو الأوّل، وهو مطلع هذه الخيرات، وأعني بهذا العلم: الإيمان واليقين. فإنّ الإيمان عبارة عن التّصديق بأنّ الذّنوب سموم مهلكة، واليقين عبارة عن تأكّد هذا التّصديق، وانتفاء الشّكّ عنه واستيلائه على القلب، فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار النّدم، فيتألّم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنّه صار محجوبا عن محبوبه، كمن يشرق عليه نور الشّمس وقد كان في ظلمة، فيسطع النّور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب، فرأى محبوبه وقد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحبّ في قلبه، وتنبعث تلك النّيران بإرادته للانتهاض للتّدارك.

فالعلم والنّدم والقصد المتعلّق بالتّرك في الحال والاستقبال والتّلافي للماضي، ثلاثة معان مرتّبة في الحصول، فيطلق اسم"التّوبة"على مجموعها.

وكثيرا ما يطلق اسم"التّوبة"على معنى النّدم وحده، ويجعل العلم كالسّابق والمقدّمة والتّرك كالثّمرة، والتّابع المتأخّر، وبهذا الاعتبار قال عليه السّلام:

"النّدم توبة"إذ لا يخلو النّدم عن علم أوجبه وأثمره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت