المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 72
ذلك من الدّواعي القويّة إلى التّوبة.
ورابعها: أنّه تعالى علّمه كلاما لو حصلت التّوبة معه، لكان ذلك سببا لكمال حال التّوبة. [ثمّ نقل قول الغزاليّ والقفّال وقال:]
واعلم أنّ كلام الغزاليّ رحمه اللّه أبين وأدخل في التّحقيق، إلّا أنّه يتوجّه عليه إشكال، وهو أنّ العلم بكون الفعل الفلانيّ ضررا، مع العلم بأنّ ذلك الفعل صدر منه، يوجب تألّم القلب، وذلك التّألّم يوجب إرادة التّرك في الحال والاستقبال، وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي، وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتّبا على البعض ترتّبا ضروريّا، لم يكن ذلك داخلا تحت قدرته، فاستحال أن يكون مأمورا به.
والحاصل: أنّ الدّاخل في الوسع ليس إلّا تحصيل العلم، فأمّا ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل. لكن لقائل أن يقول: تحصيل العلم ليس أيضا في الوسع، لأنّ تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلّا بواسطة معلومات متقدّمة على ذلك المجهول، فتلك العلوم الحاضرة المتوسّل بها إلى اكتساب ذلك المجهول إمّا أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول، أو لم تكن مستلزمة.
فإن كان الأوّل كان ترتّب المتوسّل إليه على المتوسّل به ضروريّا، فلا يكون ذلك داخلا في القدرة والاختيار، وإن كان الثّاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة، لأنّ المقدّمات القريبة لا بدّ وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذّهن تسليم المطلوب، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدّمات منتجة لتلك النّتيجة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: تلك المقدّمات وإن كانت حاضرة في الذّهن إلّا أنّ كيفيّة التّوصّل بها إلى تلك النّتيجة غير حاضرة في الذّهن، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدّمات العلم بتلك النّتيجة لا محالة؟
قلنا: العلم بكيفيّة التّوصّل بها إلى تلك النّتيجة إمّا أن يكون من البديهيّات أو من الكسبيّات، فإن كان من البديهيّات لم يكن في وسعه، وإن كان من الكسبيّات كان القول في كيفيّة اكتسابه كما في الأوّل. فإمّا أن يفضي إلى التّسلسل وهو محال، أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور، واللّه أعلم. [ثمّ نقل قول عبد الجبّار وأضاف:]
أمّا أبو هاشم فإنّه يجوّز أن يخلو العاصي من التّوبة والإصرار، ويقول: لا يصحّ أن تكون التّوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه، بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال. فإمّا أن تجب لأنّ بالصّغيرة قد نقص ثوابهم، فيعود ذلك النّقصان بالتّوبة. وإمّا لأنّ التّوبة نازلة منزلة التّرك، فإذا كان التّرك واجبا عند الإمكان، فلابدّ من وجوب التّوبة مع عدم الإمكان.
وربّما قال: تجب التّوبة عليهم من جهة السّمع، وهذا هو الأصحّ على قوله، لأنّ التّوبة وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله، وهو كونه خصيما مبينا. (3: 19 - 21)
القرطبيّ: أي قبل توبته، أو وفّقه للتّوبة. وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة. [ثمّ ذكر نحو ما تقدّم في النّصوص] (1: 324)
البيضاويّ: رجع عليه بالرّحمة وقبول التّوبة، وإنّما رتّبه بالفاء على تلقّي الكلمات، لتضمّنه معنى التّوبة،