فهرس الكتاب

الصفحة 3713 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 82

ورجع برحمته رجوعا إلى النّبيّ والمهاجرين والأنصار والثّلاثة الّذين خلّفوا. فأمّا توبته ورجوعه بالرّحمة على المهاجرين والأنصار فإنّهم اتّبعوا النّبيّ في ساعة العسرة وزمانها- وهو أيّام مسيرهم إلى تبوك- اتّبعوه من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ويميل عن الحقّ بترك الخروج أو ترك السّير، فبعدما اتّبعوه تاب اللّه عليهم إنّه بهم لرؤوف رحيم.

وأمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا فإنّهم آل أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ووسعت- وكان ذلك بسبب أنّ النّاس لم يعاشروهم ولا كلّموهم حتّى أهلهم فلم يجدوا أنيسا يأنسون به- وضاقت عليهم أنفسهم- من دوام الغمّ عليهم- وأيقنوا أن لا ملجأ من اللّه إلّا إليه بالتّوبة والإنابة، فلمّا كان ذلك كلّه تاب اللّه عليهم وانعطف ورجع برحمته إليهم ليتوبوا إليه، فيقبل توبتهم إنّه هو التّوّاب- كثير الرّجوع إلى عباده يرجع إليهم بالهداية والتّوفيق للتّوبة إليه ثمّ بقبول تلك التّوبة- والرّحيم بالمؤمنين.

وقد تبيّن بذلك كلّه أوّلا: أنّ المراد بالتّوبة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله: محض الرّجوع إليه بالرّحمة، ومن الرّجوع إليه بالرّحمة: الرّجوع إلى أمّته بالرّحمة، فالتّوبة عليهم:

توبة عليه، فهو صلّى اللّه عليه وآله الواسطة في نزول الخيرات والبركات إلى أمّته.

وأيضا فإنّ من فضله تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أنّ كلّما ذكر أمّته أو الّذين معه بخير أفرده من بينهم، وصدّر الكلام بذكره تشريفا له، كما في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ البقرة: 285، وقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ التّوبة: 26، وقوله: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا التّوبة: 88، إلى غير ذلك من الموارد.

وثانيا: أنّ المراد بما ذكر ثانيا وثالثا من التّوبة بقوله:

ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ في الموضعين، هو تفصيل ما ذكره إجمالا بقوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ.

وثالثا: أنّ المراد بالتّوبة في قوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ في الموضعين: رجوعه تعالى إليهم بالهداية إلى الخير والتّوفيق. فقد ذكرنا مرارا في الأبحاث السّابقة أنّ توبة العبد محفوفة بتوبتين من الرّبّ تعالى، وأنّه يرجع إليه بالتّوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهو التّوبة الأولى منه، فيهتدي العبد إلى الاستغفار وهو توبته، فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه، وهو التّوبة الثّانية منه تعالى.

والدّليل على أنّ المراد بها في الموضعين ذلك، أمّا في الآية الأولى فلأنّه لم يذكر منهم فيها ذنبا يستغفرون له حتّى تكون توبته عليهم توبة قبول، وإنّما ذكر أنّه كان من المتوقّع زيغ قلوب بعضهم، وهو يناسب التّوبة الأولى منه تعالى دون الثّانية، وأمّا في الآية الثّانية فلأنّه ذكر بعدها قوله: (ليتوبوا) وهو الاستغفار، أخذ غاية لتوبته تعالى، فتوبته تعالى قبل توبتهم ليست إلّا التّوبة الأولى منه.

وربّما أيّد ذلك قوله تعالى: في مقام تعليل توبته عليهم: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث لم يذكر من أسمائه ما يدلّ بلفظه على قبول توبتهم، كما لم يذكر منهم توبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت