فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 86
والثّالث: أصل التّوبة: الرّجوع، فالمراد ثمّ تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، وزوال المباينة، فتسكن نفوسهم عند ذلك.
الرّابع: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا أي ليدوموا على التّوبة، ولا يراجعوا ما يبطلها.
الخامس: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لينتفعوا بالتّوبة ويتوفّر عليهم ثوابها، وهذان النّفعان لا يحصلان إلّا بعد توبة اللّه عليهم.
المسألة الثّانية: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ قبول التّوبة غير واجب على اللّه عقلا، قالوا: لأنّ شرائط التّوبة في حقّ هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر.
ثمّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم، وتركهم مدّة خمسين يوما أو أكثر، ولو كان قبول التّوبة واجبا عقلا لما جاز ذلك.
أجاب الجبّائيّ عنه بأن قال: يقال: إنّ تلك التّوبة صارت مقبولة من أوّل االأمر، لكنّه يقال: أراد تشديد التّكليف عليهم لئلّا يتجرّأ أحد على التّخلّف عن الرّسول فيما يأمر به من جهاد وغيره. وأيضا لم يكن نهيه عليه الصّلاة والسّلام عن كلامهم عقوبة، بل كان على سبيل التّشديد في التّكليف.
قال القاضي: وإنّما خصّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام هؤلاء الثّلاثة بهذا التّشديد، لأنّهم أذعنوا بالحقّ واعترفوا بالذّنب فالّذي يجري عليهم، وهذه حالهم يكون في الزّجر أبلغ ممّا يجري على من يظهر العذر من المنافقين.
والجواب: أنّا متمسّكون بظاهر قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ وكلمة (ثمّ) للتّراخي، فمقتضى هذا اللّفظ تأخير قبول التّوبة، فإن حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك عدولا عن الظّاهر من غير دليل.
فإن قالوا: الموجب لهذا العدول قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ الشّورى: 25.
قلنا: صيغة (يقبل) للمستقبل، وهو لا يفيد الفور أصلا بالإجماع، ثمّ إنّه تعالى ختم الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. (16: 219)
نحوه ملخّصا النّيسابوريّ. (11: 34)
القرطبيّ: المعنى ثمّ تاب عليهم ليثبتوا على التّوبة، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا النّساء:
136، وقيل: أي فسح لهم ولم يعجّل عقابهم كما فعل بغيرهم، قال جلّ وعزّ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ النّساء: 160.
أبو حيّان: ويكون قوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بعد قوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ التّوبة: 117، ودعوى أنّ (ثمّ) زائدة، وجواب (اذا) ما بعد (ثمّ) بعيد جدّا وغير ثابت من لسان العرب زيادة"ثمّ".
ومن زعم أنّ (اذا) بعد (حتّى) قد تجرّد من الشّرط وتبقى لمجرّد الوقت، فلا تحتاج إلى جواب، بل تكون غاية للفعل الّذي قبلها، وهو قوله: (خلّفوا) أي خلّفوا إلى هذا الوقت. [ثمّ ذكر مثل الزّمخشريّ وأضاف:]
وقيل: معنى (ليتوبوا) ليدوموا على التّوبة ولا يراجعوا ما يبطلها.
وقيل: (ليتوبوا) ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم من