فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 92
معناه أقبل التّوبة، وإنّما كان لفظه مشتركا بين فاعل التّوبة والقابل لها، للتّرغيب في صفة التّوبة؛ إذ وصف بها القابل لها، وهو اللّه؛ وذلك من إنعام اللّه على عباده، لئلّا يتوهّم بما فيها من الدّلالة على مقارفة الذّنب أنّ الوصف بها عيب، فلذلك جعلت في أعلى صفات المدح.
والتّوبة هي النّدم الّذي يقع موقع التّنصّل من الشّي ء؛ وذلك بالتّحسّر على موافقته، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة، واعتبر قوم المعاودة إلى مثله في القبح. وهو الأقوى، لإجماع الأمّة على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه.
فإن قيل: ما الفائدة في هذا الإخبار، وقد علمنا أنّ العبد متى تاب لا بدّ أن يتوب اللّه عليه؟
قلنا: أمّا على مذهبنا، فله فائدة واضحة، وهو أنّ إسقاط العقاب عندها ليس بواجب عقلا، فإذا أخبر بذلك أفادنا ما لم نكن عالمين به. ومن خالف في ذلك قال: وجه ذلك أنّه لمّا كانت توبة مقبولة وتوبة غير مقبولة، صحّت الفائدة بالدّلالة على أنّ هذه التّوبة مقبولة. ومعنى قبول التّوبة: حصول الثّواب عليها، وإسقاط العقاب عندها. (2: 48)
نحوه الطّبرسيّ. (1: 242)
البغويّ: أتجاوز عنهم جميع سيّئاتهم، وأقبل توبتهم. (1: 194)
نحوه الشّربينيّ. (1: 108)
الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه تعالى لمّا بيّن عظيم الوعيد في الّذين يكتمون ما أنزل اللّه كان يجوز أن يتوهّم أنّ الوعيد يلحقهم على كلّ حال، فبيّن تعالى أنّهم إذا تابوا تغيّر حكمهم، ودخلوا في أهل الوعد.
وقد ذكرنا أنّ التّوبة عبارة عن النّدم على فعل القبيح، لا لغرض سواه، لأنّ من ترك ردّ الوديعة ثمّ ندم عليه- لأنّ النّاس ذمّوه، أو لأنّ الحاكم ردّ شهادته- لم يكن تائبا. وكذلك لو عزم على ردّ كلّ وديعة، والقيام بكلّ واجب، لكي تقبل شهادته، أو يمدح بالثّناء عليه لم يكن تائبا، وهذا معنى الإخلاص في التّوبة.
ثمّ بيّن تعالى أنّه لا بدّ له بعد التّوبة من إصلاح ما أفسده، مثلا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه، يلزمه إزالة تلك الشّبهة، ثمّ بيّن ثالثا أنّه بعد ذلك يجب عليه فعل ضدّ الكتمان وهو البيان، وهو المراد بقوله: (و بيّنوا) فدلّت هذه الآية على أنّ التّوبة لا تحصل إلّا بترك كلّ ما لا ينبغي، وبفعل كلّ ما ينبغي.
قالت المعتزلة: الآية تدلّ على أنّ التّوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصحّ، لأنّ قوله:
(و اصلحوا) عامّ في الكلّ.
والجواب عنه: أنّ اللّفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده.
قال أصحابنا: تدلّ الآية على أنّ قبول التّوبة غير واجب عقلا، لأنّه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثّناء على نفسه، ولو كان ذلك واجبا لما حسن هذا المدح.
ومعنى (اتوب عليهم) أقبل توبتهم، وقبول التّوبة يتضمّن إزالة عقاب ما تاب منها.
فإن قيل: هلّا قلتم: إنّ معنى فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ هو قبول التّوبة بمعنى المجازاة والثّواب كما تقولون