فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 94
بحمل الرّسالة والدّعوة إليه تعالى. [إلى أن قال:]
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ فأغفر لهم ما أسلفوه من الذّنوب. (3: 137)
مكارم الشّيرازيّ: لمّا كان القرآن كتاب هداية، فإنّه لا يغلق منافذ الأمل والتّوبة أمام الأفراد، ولا يقطع أملهم في العودة مهما ارتكسوا في الذّنوب، لذلك تبيّن الآية التّالية طريق النّجاة من هذا الذّنب الكبير، وتقول:
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
عبارة: وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ جاءت بعد عبارة فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ للدّلالة على كثرة محبّة اللّه، وسبق عطفه على عباده التّائبين، فيقول اللّه سبحانه لهؤلاء: إن تبتم، أي عدتم إلى نشر الحقائق، فأنا أعود أيضا إلى إغداق الرّحمة والمواهب عليكم.
ومن الملفت للنّظر أنّ اللّه لم يقل أنّه يقبل التّوبة ممّن تاب، بل يقول: من تاب فأنا أيضا أتوب عليه. والفرق في التّعبيرين واضح، فالثّاني فيه من التّودّد والتّحنّن وإغداق اللّطف ما لا يمكن وصفه. (1: 402)
2 -إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. آل عمران: 89
الطّوسيّ: إن قيل: إذا كانت التّوبة من الذّنب لا تصلح إلّا بعد فعله، فلم قال: (من بعد ذلك) .
قيل: فائدته أنّه يفيد معنى تابوا منه، لأنّ توبتهم من غيره لا تنفع في التّخلّص منه، كما لا تنفع التّوبة من الكبير في التّخلّص من الصّغير. فأمّا من قال: إنّ التّوبة من معصية لا تصحّ مع الإقامة على معصية أخرى، فإنّه يقول ذلك على وجه التّأكيد.
فإن قيل: إذا كانت التّوبة وحدها تسقط العقاب وتحصّل الثّواب فلم شرط معها الإصلاح؟
قيل: الوجه في ذلك إزالة الإبهام لئلّا يعتقد، أنّه إذا حصل الإيمان، والتّوبة من الكفر لا يضرّ معه شي ء من أفعال القبائح، كقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فصّلت: 8، فذكر مع الإيمان عمل الصّالحات، لإزالة الإيهام بأنّ من كان مؤمنا في الحكم، لم يضرّه مع ذلك ما عمله من المعاصي.
وقبول التّوبة واجب، لأنّها طاعة، واستحقاق الثّواب بها ثابت عقلا. فأمّا سقوط العقاب عندها، فإنّما هو تفضّل من اللّه، ولو لا أنّ السّمع ورد بذلك، وإلّا فلا دلالة في العقل على ذلك. (2: 526)
الميبديّ: كلّما ذكرت التّوبة في القرآن قرنت بالإصلاح لأنّ حقيقة التّوبة شيئان: الإخلاص وإصلاح الأعمال، وباجتماعهما تصحّ التّوبة.
فإن قيل: لم قال في البقرة: 160 إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا، وهنا لم يقل: (و بيّنوا) ؟
قيل في الجواب: إنّ الآية في البقرة نزلت في شأن أحبار اليهود الّذين كتموا وصف محمّد في التّوراة، عن عوامّهم، وهذا معظم ذنبهم، لذا لم يقبل توبتهم حتّى بيّنوه وأظهروه. ولم يكن هذا المعنى فيمن نزلت هذه الآية في شأنهم وما كان ذنبهم إلّا الرّدّة، لذا لم يقل:
وبيّنوا. (2: 194)
الطّبرسيّ: أي تابوا من الكفر ورجعوا إلى الإيمان،