فهرس الكتاب

الصفحة 3843 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 211

المنزلة على موسى الّتي كتبها ووضعها بجانب التّابوت بل كتبا كغيرهما بعده. وقد ظهر تأويل علم موسى في بني إسرائيل فإنّهم فسدوا وزاغوا بعده كما قال، وأضاعوا التّوراة الّتي كتبها ثمّ كتبوا غيرها. ولا ندري عن أيّ شي ء أخذوا ما كتبوه على أنّه فقد أيضا. وفي الفصل الرّابع والثّلاثين من أخبار الأيّام الثّاني: أنّ حلقيا الكاهن وجد سفر شريعة الرّبّ وسلّمه إلى شافان الكاتب، فجاء به شافان إلى الملك.

قال صاحب دائرة المعارف العربيّة: إنّهم ادّعوا أنّ هذا السّفر الّذي وجده حلقيا هو الّذي كتبه موسى، ولا دليل لهم على ذلك، على أنّهم أضاعوه أيضا، ثمّ إنّ عزرا الكاهن الّذي هيّأ قلبه لطلب شريعة الرّبّ والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء، قد كتب لهم الشّريعة بأمر أرتحشستا ملك فارس الّذي أذن لهم- أي لبني إسرائيل- بالعودة إلى أورشليم.

وقد أمر هذا الملك بأن تقام شريعتهم وشريعته كما في سفر عزرا- راجع الفصل السّابع منه- فجميع أسفار التّوراة الّتي عند أهل الكتاب قد كتبت بعد السّبي كما كتب غيرها من أسفار العهد العتيق، ويدلّ على ذلك كثرة الألفاظ البابليّة فيها. وقد اعترف علماء اللّاهوت من النّصارى بفقد توراة موسى الّتي هي أصل دينهم وأساسه.

قال صاحب كتاب"خلاصة الأدلّة السّنيّة على صدق أصول الدّيانة المسيحيّة": والأمر مستحيل أن تبقى نسخة موسى الأصليّة في الوجود إلى الآن، ولا نعلم ماذا كان من أمرها، والمرجّح أنّها فقدت مع التّابوت لمّا خرب بختنّصّر الهيكل، وربّما كان ذلك سبب حديث كان جاريا بين اليهود على أنّ الكتب المقدّسة فقدت وأنّ عزرا الكاتب الّذي كان نبيّا جمع النّسخ المتفرّقة من الكتب المقدّسة وأصلح غلطها، وبذلك عادت إلى منزلتها الأصليّة، انتهى بحروفه.

ولقد نعلم أنّهم يجيبون من يسأل: من أين جمع عزرا تلك الكتب بعد فقدها وإنّما يجمع الموجود، وعلى أيّ شي ء اعتمد في إصلاح غلطها؟ قائلين: إنّه كتب ما كتب بالإلهام فكان صوابا، ولكن هذا الإلهام ممّا لا سبيل إلى إقامة البرهان عليه، ولا هو ممّا يحتاج فيه إلى جمع ما في أيدي النّاس الّذين لاثقة بنقلهم، ولو كتب عزرا بالإلهام الصّحيح لكتب شريعة موسى مجرّدة من الأخبار التّاريخيّة، ومنها ذكر كتابته لها ووضعها في جانب التّابوت، وذكر موته وعدم مجي ء مثله، وقد بيّن بعض علماء أوربّا أنّ أسفار التّوراة كتبت بأساليب مختلفة لا يمكن أن تكون كتابة واحد.

وليس من غرضنا أن نطيل في ذلك وإنّما نقول: إنّ التّوراة الّتي يشهد لها القرآن هي ما أوحاه اللّه إلى موسى ليبلّغه قومه بالقول والكتاب، وأمّا التّوراة الّتي عند القوم فهي كتب تاريخيّة مشتملة على كثير من تلك الشّريعة المنزلة، لأنّ القرآن يقول في اليهود: إنّهم أوتوا نصيبا من الكتاب، كما يقول: إنّهم نسوا حظّا ممّا ذكّروا به، ولأنّه يستحيل أن تنسى تلك الأمّة بعد فقد كتاب شريعتها جميع أحكامها. فما كتبه عزرا وغيره مشتمل على ما حفظ منها إلى عهده وعلى غيره من الأخبار، وهذا كاف للاحتجاج على بني إسرائيل بإقامة التّوراة، وللشّهادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت