فهرس الكتاب

الصفحة 3853 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 221

قبل الدّعوى، بل لك أن تقول: إنّها شجرة تخرج الثّمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق، والتّفّاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها، ثمّ بغيرها، أمّا شجرة التّين فإنّها تهتمّ بغيرها قبل اهتمامها بنفسها.

فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السّلام:"ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول"وشجرة التّين كالمصطفى عليه السّلام كان يبدأ بغيره، فإن فضل صرفه إلى نفسه، بل من الّذين أثنى اللّه عليهم في قوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الحشر: 9.

وثالثها: أنّ من خواصّ هذه الشّجرة أنّ سائر الأشجار إذا سقطت الثّمرة من موضعها لم تعد في تلك السّنة، إلّا التّين فإنّه يعيد البذر، وربّما سقط ثمّ يعود مرّة أخرى.

ورابعها: أنّ التّين في النّوم رجل خير غنيّ، فمن نالها في المنام نال ما لا وسعة، ومن أكلها رزقه اللّه أولادا.

وخامسها: روي أنّ آدم عليه السّلام لمّا عصى وفارقته ثيابه تستّر بورق التّين، وروي أنّه لمّا نزل وكان متّزرا بورق التّين استوحش، فطاف الظّباء حوله فاستأنس بها، فأطعمها بعض ورق التّين، فرزقها اللّه الجمال صورة، والملاحة معنى، وغيّر دمها مسكا. فلمّا تفرّقت الظّباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها، فلمّا كانت من الغد جاءت الظّباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق، فغيّر اللّه حالها إلى الجمال دون المسك، وذلك لأنّ الأولى جاءت لآدم لا لأجل الطّمع، والطّائفة الأخرى جاءت للطّمع سرّا وإلى آدم ظاهرا، فلا جرم غيّر الظّاهر دون الباطن. [إلى أن قال:]

القول الثّاني: أنّه ليس المراد هاتين الثّمرتين، ثمّ أدركوا وجوها:

أحدها: قال ابن عبّاس: هما جبلان من الأرض المقدّسة، يقال لهما بالسّريانيّة: طور تينا وطور زيتا، لأنّهما منبتا التّين والزّيتون، فكأنّه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء، فالجبل المختصّ ب (التّين) لعيسى عليه السّلام، (و الزّيتون) : الشّأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل و (الطّور) : مبعث موسى عليه السّلام و (البلد الامين) مبعث محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم. فيكون المراد من القسم في الحقيقة: تعظيم الأنبياء، وإعلاء درجاتهم.

وثانيها: أنّ المراد من (التّين والزّيتون) : مسجدان، ثمّ قال ابن زيد: (التّين) : مسجد دمشق. (و الزّيتون) :

مسجد بيت المقدس. وقال آخرون: (التّين) : مسجد أصحاب أهل الكهف، (و الزّيتون) : مسجد إيليا. وعن ابن عبّاس: (التّين) : مسجد نوح المبنيّ على الجوديّ، (و الزّيتون) : مسجد بيت المقدس.

والقائلون بهذا القول إنّما ذهبوا إليه، لأنّ القسم بالمسجد أحسن، لأنّه موضع العبادة والطّاعة. فلمّا كانت هذه المساجد في هذه المواضع الّتي يكثر فيها التّين والزّيتون، لا جرم اكتفى بذكر التّين والزّيتون.

وثالثها: المراد من (التّين والزّيتون) : بلدان، فقال كعب: (التّين) : دمشق، (و الزّيتون) : بيت المقدس، وقال شهر بن حوشب: (التّين) : الكوفة، (و الزّيتون) :

الشّام، وعن الرّبيع: هما جبلان بين همدان وحلوان.

والقائلون بهذا القول، إنّما ذهبوا إليه لأنّ اليهود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت